بصراحة ومن دون لف أو دوران، لابد من التصريح بالحقيقة المرة، التي ظلت محفورة في ذاكرة التاريخ، وهي أن سيقان النبتة الداعشية ترتبط بجذور السوء المغروسة بين مطويات الكتب الفقهية المنحرفة، والتي ما انفكت تنفث سمومها حتى يومنا هذا من فوق المنابر وفي زوايا المساجد، وعبر برامج الفضائيات المدسوسة، وتتسلل بين صفحات المقررات الدراسية لكافة المراحل التعليمية، وتجد من يدعمها بفتاوى ما أنزل الله بها من سلطان. فلا تندهش أبداً إذا علمت أن الفكر التخريبي المدمر، الذي تحمله داعش بأحزمتها الناسفة، يُدرَّس رسمياً في المدارس العربية من المحيط إلى الخليج، ولا تندهش إذا علمت أن المقررات الدراسية العربية تُزيِّن للطلاب جرائم القتل والتشريد والترويع، وتحبب إليهم نشر الرعب والدمار في البلدان المجاورة، وتبرر قتل الناس وقطع رقابهم على الهوية، أو قتلهم على اللون، أو قتلهم على الانتماء الطائفي أو العرقي، وتشرع لهم نهب أموال الناس والاستيلاء عليها، وتحبب إليهم انتهاك أعراض الناس حتى لو لم يكونوا عدوانيين.
لقد وردت هذه التوجهات التعليمية العدوانية المنافية لدين المحبة والسلام في أكثر من كتاب، نذكر منها كتاب (الاختيار لتعليل المختار)، وهو من المقررات الدراسية المنتشرة في الوطن العربي.
ربما يقول قائل منكم: أن داعش التي توهم نفسها ببناء دولتها في الشام والعراق تحمل جينات المسلمين (السنة)، لكن الحقيقة الموجودة على الأرض تؤكد على وجود مجاميع متفرقة من الدواعش النائمة، والتي تحمل الجينات (الزكرية)، و(النقشبندية)، و(البهائية)، و(الشيعية) و(الحوثية)، و(الأحمدية)، و(العلوية)، و(الإسماعيلية). وسبق لها الظهور مئات المرات في متوالية متعاقبة بدأت في العام الهجري الأول ولن تنتهي حتى قيام الساعة.
لقد نشأ الفكر الدموي الداعشي في مخادع (الخوارج)، وتعمق بمذابح (القرامطة)، وطفح فوق مستنقعات (الزنادقة)، وحمل الغموض والكتمان في مجالس (المعتزلة)، واكتسب التهور من نزوات صاحب (الزنج)، ثم تعلم الانتحار بخناجر (الحشاشين)، وها هو اليوم يخرج علينا بحلته الجديدة ليسبي النساء، ويقتل الرجال على الهوية، وينبش القبور ويحرق المعابد ويهدم الصوامع ويزيل معالم الحضارات القديمة، فيحظى بمباركة أصحاب النفوس المريضة، الذين ظلوا ينفثون سمومهم من فوق المنابر، ويدعون للعودة إلى نظام الرق والاستعباد، واتخاذ الجواري والسبايا، وفي مقدمتهم الشيخ الحويني.
كان (الحشاشون) من أقوى الفرق الداعشية المتمردة على القيم والمبادئ، وهم فرقة منشقة من (النزارية)، و(النزارية) منشقة من (الإسماعيلية)، وربما لا يعلم القارئ الكريم أن فرقة (الحشاشين) تعد أول فرقة إسلامية أجازت الجهاد (الانتحاري)، واتخذت من الغدر والاغتيال منهجاً تعبوياً لتوسيع رقعتها في العراق وفي بلاد ما وراء النهر. حتى أن كلمة (Assassin) الانجليزية، وتعني الاغتيال، مُقتبسه من مذهب الحشاشين. وتجدون في الأسواق الآن لعبة أمريكية تحمل اسم مذهب الحشاشين (Assassin Creed).
ثم جاءت فرقة (القرامطة) لتعيث في الأرض فساداً، وتقتل الناس بدم بارد من دون سبب، ولا ننسى هنا صاحب (الزنج) وما فعله من أفاعيل قبحت وجه التاريخ.
أما القواسم المشتركة لهذه العصابات الإجرامية، فهي: أنهم لا ينتمون لوطن، ولا معنى للوطن في فكرهم ولا في عقيدتهم، ولا معنى للتاريخ إلا بما تفسّره رؤيتهم الشاذة والمريضة، ولا معنى للنصر إلا إذا كان نصراً لهم على الدولة والمجتمع، ولا معنى للانتماء إلا إذا كان انتماءً لعصابتهم، ولا معنى للالتزام إلا إذا كان لكبيرهم الذي علمهم السحر.
هؤلاء كلهم خرجوا من أوكار الضلال، وأطاعوا أئمة السوء، حتى جاء اليوم الذي ظهرت فيه جماعات (جند السماء) في العراق، على الرغم من النفي المطلق الذي ورد في القرآن المجيد بقوله تعالى: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمه مِنْ بَعْده مِنْ جُنْد مِنْ السَّمَاء وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ). لكن الأوكار الظلامية الخبيثة خالفت منهج القرآن، وصنعت مجموعة متمردة باسم (جند السماء)، الذين نفى القرآن نزولهم. ثم ظهرت (داعش) لتكمل مسيرة الانحراف، وتضيف حلقة جديدة لمسلسل المجازر الدموية البشعة.لقد تعلمت (داعش) في مدارسنا العربية المتخلفة، وتأثرت بما تبثه قنواتنا التلفزيونية المسمومة، ورضعت الحقد من أثداء الأنظمة الفاجرة المتبطرة، وتخرجت على يد مشايخ السوء، الذين رسموا لها خارطة الوهم لدولة هجينة لا تعترف بالحدود، ولا تعترف بالقوانين ولا بالمعاهدات الدولية. قال لهم أربابهم: أنهم عندما يفجرون أنفسهم سيرفرفون بأجنحتهم فوق مروج الجنة، وأن الحور العين تنتظرهم هناك على أحر من الجمر.أغلب الظن أن (داعش) التي ظهرت في الشام والموصل لن تكون آخر المنظمات (الداعشية) الشاذة طالما ظل مشايخ السوء يسممون عقول شبابنا بأفكارهم الخبيثة، ويدفعونهم نحو منزلقات الانحراف الطائفي بما يحملونه من معاول هدامة تستهدف تدميرنا كلنا.ويبقى السؤال: هل أفلس الفكر الإسلامي ولم يعد لديه ما يقدمه للإنسانية سوى الرعب والقتل والذبح والتشريد والخراب والدمار؟. وهل صار الإرهاب من منجزاتنا الحضارية التي نتفوق فيها على الشعوب والأمم ؟. وهل أصبح مصير مدننا بيد المجاميع الإرهابية المراهقة ؟، وهل صار مشايخ العنف من أمثال الحويني ورهطه هم الذين يتلاعبون بعقول الشباب من دون أن يردعهم أحد؟، وهل تخصص خطباء المساجد بتحريض الشباب على التفجير والتفخيخ والانتحار؟. وهل بات إعلان الجهاد ضد أقطار الأرض من فرائض الدين وأهدافه؟. وهل أصبح مستقبلنا بيد العناصر المسلحة التي تنتمي للقاعدة، وداعش، وجماعة أبو سياف، وبوكو حرام، وحزب التحرير، وجيش محمد، وجيش الرب، وأنصار الإسلام، وعسكر طيبة، وكتائب الزرقاوي، وفتح الإسلام، والتكفير والهجرة، وشباب الجهاد، والسلفية الجهادية، وعشرات التنظيمات الغارقة في مستنقعات الدم ؟. وهل صار قطع رؤوس الأبرياء والتمثيل بجثثهم وسبي النساء وانتهاك حرمات الناس وتفخيخ المدارس ونبش قبور الصحابة وتهديم الصوامع وتحريم التعليم من مفردات المناهج الإسلامية في شرق الأرض وغربها، وهل صارت الممارسات العدوانية الشاذة من المشاريع التنموية المستقبلية ؟. ثم ما سر هذا التطابق التعبوي العجيب بين أهداف هذه التنظيمات وبين أهداف خلايا الموساد ؟، ولماذا لم تعلن الجهاد ضد إسرائيل، ولم تُطلق رصاصة واحدة ضد القواعد الأمريكية في قطر ؟. ولماذا لم تقف حتى الآن إلى جانب حماس أو كتائب عز الدين القسام في دفاعها المشروع عن مدينة غزة ؟.
لو بحثنا عن الأجوبة الشافية لهذه التساؤلات المصيرية المُحيرة لوجدناها تختبئ بين صفحات المناهج المدرسية المحرضة على القتل، ولوجدناها تُعرض يومياً على شاشات الفضائيات المسمومة، ولعثرنا عليها في دهاليز الأوكار الظلامية. ولاكتشفنا أنها تتلقى الدعم والإسناد من بيوت الزكاة والجمعيات (الخيرية)، ولاكتشفنا أيضاً أن الحكومات العربية هي التي تغاضت عن نموها الانشطاري، وهي التي صفقت لها، والدليل على ذلك لا توجد حكومة عربية واحدة تستنكر جرائم داعش، ولا توجد دولة عربية منعت شبابها من الالتحاق بها، ولسنا مغالين إذا قلنا أنها هي التي استنفرتها، وهي التي جندتها ودربتها وسلحتها، ثم أرسلتها في كل الاتجاهات لتشوه صورة الإسلام والمسلمين. فانقلب السحر على الساحر، وتكاثرت الأفاعي في الجيوب والثكنات غير المحسوبة لتزحف نحو عروش الذين وفروا لها أسباب النمو والانتشار، فانتشرت بالطول والعرض لتقض مضاجع الذين أرضعوها من أثداء الجاهلية الأولى، وهكذا جنت على نفسها براقش.وما براقش إلا كلبة غبية من كلاب العرب، كانت لقوم من تميم، وذات ليلة جاء أعداء لهم يبحثون عنهم في الظلام فلم يهتدوا إليهم، فيئسوا وهمّوا بالرجوع، فلما أحست بهم الكلبة نبحت عليهم، فعرفوا من نباحها مكان القوم، فهاجموهم وقضوا عليهم وعلى كلبتهم، فقيل جنت على أهلها براقش. ألا لعنة الله على داعش وبراقش.

التعليقات معطلة
