لا اعرف جوابا لذلك السر الذي يشدني إلى بغداد ،ويجعلني مسكونا بها حد الدهشة ، لا أكاد أفارقها لحظة حتى أعيشها عمرا ، أشمها وأتذوقها وانا أسوح في دروبها وحاراتها ومقاهيها وأسواقها و»درابينها «العتيقة ،جسورها وشواطئها ،جوامعها ومراقد الصحابة والأولياء فيها ،مثل جوال يعرض بضاعته ،ربما لأنها بنظري بكل مافيها ولها ليست مدينة فحسب، بل هي صدى الروح وأكثر ، وهي مسرح الوجود،على مر السنيين والحقب ، اذ لم تبخل علي يوما وأعطتني ما احتاج ، أرصفة حملت خطاي حتى اشتد عودي ،وملاعب علمتني الركض إلى أمام بقوة ،وأصدقاء لهم رائحة العنبر العراقي ،وغيرة ابن العشائر العربية ونخوتهم الأصيلة وبساطتهم وطهارة قلوبهم ، ومدارس يديرها قادة في العلم والأخلاق ،آباء لنا قبل ان يكونوا مربين فضلاء .
وهذه المدينة في تعددها،أطيافا وشواخص حضارية تاريخية ومعاصرة ، هناك من يراها اليوم عجوز شاخت وأصبحت هشة ، ضعيفة الذاكرة ، الهزال يأكل جسدها ، وأسنانها تتساقط ، تهذر وتهذي بلغة غير مفهومة ، فينكرها ويفرمنها هاربا وثمة من يريدها باسمة ضاحكة على الدوام وكأنها ليست بلحم ودم وقد عانت ماعانت من تطاول المتطاولين وإرهاب الإرهابيين ، و»مقاولي» الزمن الأغبر من اكلي السحت الحرام .
مدينة نسجت من الأسرار الكثير ،عاشت أمجادها كما شهدت انكساراتها ، عرفت الفرح ،ولكن الحزن لم يفارق ضلوعها ، كم من غاز وقف على أسوارها وأهدر دم أبنائها وأشعل نيران حقده عليها دمارا وخرابا ،لكنها مثل طائر العنقاء الأسطوري تخرج من الرماد وتنفض الغبار وتعاود الوقوف على أقدامها تعيد البناء وتواصل حياتها .
لن أنكر أن جراحها كانت عميقة وموجعة وان وقع دموعها لم يجف بعد ، ولكننا سنبقى نتمسك بخيوط الأمل رغم بشاعة الموت وكلنا ثقة ان بغداد ستعود أكثر بهاء والقا لتعاود دورها مركز اشعاع ونور يستقطب العالم وتفتح ذراعيها لكل ابنائها الذين غادروها طواعية او مرغمين .
فبغداد مجد وعنفوان والق وشموخ وستبقى رغم جراح الأعداء وحقد الحاقدين قوية الإرادة مرفوعة الرأس شامخة كنخيلها بكبرياء .

التعليقات معطلة
