Pdf copy 1

​زمن رشيد
يأتي الثامن عشر من حزيران (يونيو) هذا العام، والمنظومة الدولية تعيش واحدة من أعقد مراحل التشظي والتحول. وسط هذا الضجيج الجيوسياسي، يبرز «اليوم العالمي لمكافحة خطاب الكراهية» ليس كإجراء تجميلي في أجندة الأمم المتحدة، بل كوثيقة إدانة تاريخية لواقعٍ مرير، واعترافٍ سياسي متأخر بأن أعتى الحروب في عالمنا المعاصر لا تُعلن في ردهات البرلمانات، بل تُطبخ أولاً على نار الهويات القاتلة في كواليس الفضاء الرقمي.
وإن الكراهية ليست مجرد انفعال شعوري عابر، بل هي «صناعة سياسية استراتيجية» فائقة الدقة.
​الرصاصة لا تنطلق من تلقاء نفسها؛ ثمة يد تحركها. واليد لا تتحرك إلا بأمر من فكرة، والفكرة تصوغها لغةٌ تم إعدادها بعناية. في كل الصراعات الدموية التي شهدها تاريخنا الحديث، من وحشة المجازر في البلقان ورواندا، وصولاً إلى شروخ الشرق الأوسط المفتوحة، كان «المحرض السياسي» يسبق دائماً «العسكري». كانت الخطوة الأولى دوماً هي نزع الإنسانية عن الآخر، تحويله من شريك في الأرض والوطن إلى «رقم زائد» أو «تهديد وجودي» يجب محوه ليعيش البقية.
​المعضلة الكبرى اليوم هي أن هذا الخطاب المسموم حظي بـ «رافعة تكنولوجية» لم يشهد لها التاريخ مثيلاً. في عصر السيولة الرقمية، لم نعد بحاجة إلى منابر رسمية لتسويق الأحقاد؛ فقد تولت خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي هذه المهمة باقتدار. هذه الشبكات الذكية لا تعبأ بالسلم الأهلي أو الاستقرار السياسي، إنها تتغذى على «التطرف» لأنه يضمن أعلى معدلات البقاء والتفاعل. لقد تم تحويل الغرائز البدائية—من خوف وتوجس وإقصاء—إلى سلع تجارية تُدر ملايين الدولارات، مقابل تفتيت المجتمعات وتحويلها إلى قنابل موقوتة.
​إن خطاب الكراهية المعاصر هو العدو الأول لـ «الدولة الوطنية الحديثة»؛ فهو يضرب العقد الاجتماعي في مقتل، ويستبدل مفهوم المواطنة الجامعة بخنادق وهويات فرعية متناحرة. وعندما يتشظى الوعي الجمعي، تصبح الدولة مجرد هيكل هش ينتظر ريحاً عاتية ليتداعى.
​لذلك، فإن مواجهة هذا الوباء اللفظي هي قضية أمن قومي وسياسي عابرة للقارات.
​إن التشريعات والاتفاقيات الدولية تظل بنادق بلا ذخيرة ما لم تُحمى بوعي فكري حازم. المعركة الحقيقية تُخاض في عقل كل فرد منا؛ تبدأ عندما نمتلك الشجاعة السياسية والأخلاقية لرفض السرديات الإقصائية، وتفكيك خطابات «نحن وهم»، وقطع الطريق على كل من يحاول استثمار مخاوفنا لتبديد أمننا.
​في هذا اليوم العالمي، دعونا نتأمل بعمق: إن الكلمة التي نبني بها جسراً قد تحقن دماً، والكلمة التي نغرس بها حقداً قد تشعل حرباً. فلتكن كلماتنا غماراً للسلم، لا وقوداً للمقصلة

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *