Pdf copy 1

زمن رشيد
في أرضٍ تفترش الذهب وتلتحف التاريخ، يعيش المواطن العراقي اليوم تغريبةً نفسية قاسية، يمتزج فيها الانكسار بالقهر، وهو يرى ثروات بلاده الهائلة تتحول إلى أرقام فلكية ومليارات مُهرّبة يُعلن عنها في قضايا الفساد، بينما يرزح هو تحت وطأة ثالوث مرعب: الفقر المذل، والبطالة المزمنة، والجهل المفروض قسراً جراء انهيار المنظومات التعليمية والخدمية. إن مشاعر الشعب العراقي أمام هذه المشاهد لم تعد تقتصر على الغضب، بل تحولت إلى حزن عميق وجرح غائر في الكبرياء؛ فكيف يستوعب الأب العاطل عن العمل، وهو يعجز عن توفير حليب أطفاله أو ثمن علاجهم، أن «أُمناء الشعب» من أعضاء برلمان ومدراء عامين—الذين أقسموا على حماية قوته—هم أنفسهم من يتقاسمون كعكة الوطن خلف الكواليس؟ كيف يشعر الشاب الخريج الذي تآكلت أحلامه على أرصفة البطالة حين يرى سارق الرغيف يتنعم بالقصور والمليارات؟ إنه شعور بالخذلان التام والمظلومية التاريخية في بلد يُصنف كأحد أغنى بلدان العالم، حيث تصبح الوفرة النفطية نقمةً وعذاباً نفسياً للمحرومين، بدلاً من أن تكون قارب نجاة لهم.
أما المرحلة التي تلي اكتشاف هذه الجرائم الكبرى، فليست مجرد مرحلة قضائية أو قانونية، بل هي «مرحلة الحقيقة والمكاشفة المصيرية» التي ستحدد ما إذا كانت الدولة ستستعيد هيبتها أم ستنزلق نحو الانهيار الاجتماعي الكامل. إن مجرد الإعلان عن السرقات دون استرداد حقيقي للأموال ودون عقاب رادع وعلني لـ «الحيتان الكبيرة» لن يزيد الشارع إلا احتقاناً ويأساً؛ لذا فإن الخطوة التالية يجب أن تتجاوز الاستعراض الإعلامي إلى «العدالة الناجزة وبناء المؤسسات» لتطهير أجهزة الدولة بشكل جذري وتحصينها بوحدات رقابة مستقلة لا تخضع للمحاصصة الحزبية.
ولعل السؤال الأكثر إلحاحاً وإيلاماً في هذه اللحظة التاريخية هو: كيف تُجبر خواطر الفقراء والمحرومين الذين سُرقت أعمارهم وأحلامهم؟ إن جبر الخواطر في القاموس السياسي والاجتماعي للعراق لا يكون بالخطابات الرنانة ولا بالوعود التخديرية، بل يبدأ أولاً بـ «المصالحة الاقتصادية» من خلال تحويل تلك المليارات المستردة مباشرة إلى مشاريع تنموية ملموسة تُنعش حياة الفرد؛ عبر تأسيس «صندوق سيادي لجبر الضرر الاجتماعي» يُموّل شبكات أمان حقيقية، ويخلق فرص عمل عاجلة للشباب، ويوفر سكناً كريماً لساكني العشوائيات، ويعيد ترميم المدارس المتهالكة لإنقاذ الأجيال من الجهل. إن جبر خاطر العراقي المنكوب يكون بإشعاره —ولأول مرة— بأن قانون الدولة أقوى من نفوذ الفاسدين، وأن كرامته الإنسانية في وطنه أغلى من كل مليارات الأرض، فلن يلتئم جرح هذا الشعب ما لم يرَ أمواله المنهوبة تبني مستشفى يداوي أوجاعه، ومدرسةً تعيد لأبنائه بصيرتهم، وعدالةً تقتص له ممن خانوا الأمانة.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *