Pdf copy 1

حسام الحاج حسين
“لم تدخل تركيا الحرب ضد إسرائيل بسببي”
((دونالد ترامب )).
جملة تُعيد ترتيب الأوراق و يفتح باباً للتخفيف ايضاً من حدة التصعيد و ربما يعزز موقف كل جانب في معادلة معقدة.
بعد تراجع النفوذ الإقليمي لإيران ومحور المقاومة إثر الحرب الأخيرة، بدأ يتشكل داخل بعض الدوائر السياسية والأمنية في إسرائيل نقاش حول ما إذا كانت تركيا تمثل التحدي الإقليمي الأبرز في المرحلة المقبلة. ويستند هذا التصور إلى اتساع النفوذ التركي بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان، وتزايد حضور أنقرة في ملفات شرق المتوسط وسوريا وليبيا والقرن الأفريقي والقوقاز. غير أن هذا الطرح لا يزال أقرب إلى كونه قراءة إسرائيلية لبيئة استراتيجية متغيرة، أكثر من كونه تحولًا مكتملًا في العقيدة الأمنية الإسرائيلية.
وتنبع أهمية تركيا من كونها دولة يصعب التعامل معها بالمنطق ذاته الذي حُكمت به العلاقة مع إيران. فهي عضو محوري في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتمتلك ثاني أكبر جيش في الحلف، كما تحتل موقعًا جيوسياسيًا يربط أوروبا بالشرق الأوسط والبحر الأسود وشرق المتوسط. وإلى جانب قدراتها العسكرية المتنامية، ترتبط أنقرة بعلاقات مؤسسية مع الولايات المتحدة والغرب، بما يجعل أي تصعيد معها يحمل أبعادًا تتجاوز الإطار الثنائي بين تركيا وإسرائيل.
ومن هذا المنطلق، تنظر إسرائيل إلى تنامي الدور التركي بوصفه تحديًا استراتيجيًا متعدد الأبعاد. فأنقرة عززت حضورها في سوريا من خلال دعم الحكومة الجديدة، وتوسيع وجودها العسكري، والتعاون الأمني ضد التنظيمات الكردية، مع الحرص في الوقت ذاته على تجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع إسرائيل. كما تراقب تل أبيب باهتمام مساعي تركيا لتطوير صناعاتها الدفاعية، وسعيها إلى استعادة برنامج مقاتلات إف-35، وتوسيع تعاونها العسكري مع باكستان، باعتبار أن هذه التطورات قد تؤثر مستقبلاً في ميزان القوى الإقليمي.
ويضاف إلى ذلك استمرار الدعم السياسي الذي تقدمه تركيا لحركة حماس، واستضافة عدد من قياداتها، فضلاً عن احتدام المنافسة بين الجانبين في ملفات الطاقة والنقل والنفوذ البحري في شرق المتوسط، إلى جانب التنافس على النفوذ في سوريا وليبيا والعراق والصومال.
ورغم أن العلاقات التركية الإسرائيلية شهدت خلال العقود الماضية مراحل من التعاون السياسي والعسكري، فإنها دخلت في مسار أكثر توترًا خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما بعد الحرب في غزة، ثم مع التطورات في سوريا. ويواصل الرئيس رجب طيب أردوغان توجيه انتقادات حادة للسياسات الإسرائيلية في غزة وسوريا ولبنان، فيما تصف شخصيات إسرائيلية بارزة تركيا بأنها تمثل تحديًا استراتيجيًا متصاعدًا. كما أسهمت قضايا سياسية وتاريخية، من بينها الاعتراف الإسرائيلي بالإبادة الجماعية للأرمن، في تعميق الخلاف بين الطرفين، إلى جانب تبادل التصريحات الحادة بين قيادتي البلدين.
ومع ذلك، فإن مكانة تركيا داخل حلف الناتو تفرض قيودًا على احتمالات التصعيد. فالولايات المتحدة، التي ترتبط بعلاقات استراتيجية مع كل من أنقرة وتل أبيب، تعمل على احتواء التوتر بينهما، بالتوازي مع دراسة ملفات التعاون العسكري مع تركيا، وفي مقدمتها مقاتلات إف-35. كما يدرك الطرفان أن أي مواجهة مباشرة ستكون ذات كلفة سياسية وعسكرية مرتفعة، بما يجعل إدارة الخلاف أكثر ترجيحًا من الانزلاق إلى صدام مفتوح.
لذلك، فإن توصيف تركيا بأنها “إيران الجديدة” يعكس، في جانب منه، حالة القلق التي تعيشها إسرائيل في ظل التحولات الإقليمية، أكثر مما يعكس واقعًا استراتيجيًا مستقرًا. فتركيا ليست دولة معزولة عن المنظومة الغربية، ولا تتحرك خارج توازناتها، بل تمثل قوة إقليمية صاعدة تسعى إلى توسيع نفوذها ضمن شبكة معقدة من المصالح والتحالفات. ومن ثم، فإن التحدي الذي تمثله لأنقرة بالنسبة لإسرائيل يبقى مختلفًا في طبيعته وأدواته عن التحدي الذي مثلته إيران طوال العقود الماضية، وهو ما يجعل سياسة الاحتواء وإدارة التنافس الخيار الأكثر واقعية للطرفين في المستقبل المنظور .

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *