Pdf copy 1

طه حسن الأركوازي
لا يمكن النظر إلى تشييع شخصية دينية أو سياسية بهذا الحجم على أنه مناسبة جنائزية عابرة ، لأن مثل هذه الأحداث تتجاوز بُعدها الإنساني إلى فضاءات أوسع ترتبط بالهوية والرمزية والتوازنات الإقليمية والصراع على النفوذ ، ففي منطقة تتشابك فيها العقيدة مع السياسة ، ويختلط فيها الأمن بالانتماء ، يصبح التشييع رسالةً تتجاوز مراسم الوداع ، ليغدو حدثاً يحمل أبعاداً سياسية وأجتماعية وإعلامية مُتداخلة . ومن هذا المُنطلق ، فإن أي مُشاركة جماهيرية واسعة في مراسم تشييع شخصية عظيمة بهذا الوزن لا ينبغي أختزالها في تفسير واحد ، سواء بأعتبارها تعبيراً عن مشاعر الوفاء والانتماء ، أو بوصفها حدثاً ذا أبعاد سياسية فحسب ، بل هي مُناسبة تتقاطع فيها الاعتبارات الدينية والاجتماعية والرمزية مع السياقات السياسية والإقليمية ، بما يجعل قراءتها تتطلب النظر إلى مُختلف أبعادها بعيداً عن التبسيط أو الأحكام المُسبقة . لقد فرضت التطورات المُتسارعة في المنطقة واقعاً جديداً أتسم بتصاعد حدة التنافس الإقليمي والدولي ، وأصبحت المُناسبات الكُبرى تُقرأ بوصفها مُؤشرات على أتجاهات الرأي العام ، ومستوى التماسك الداخلي ، وقُدرة الأطراف المُختلفة على الحفاظ على حضورها السياسي والاجتماعي . وفي هذا السياق ، لم يكن التشييع مُجرد تجمع جماهيري ، بل مُناسبة أستوقفت صُناع القرار والمُراقبين لما حملته من رسائل تتجاوز حدود الدولة التي أقيمت فيها . وبالنسبة للعراق ، يكتسب هذا الحدث أهميةً خاصة بحكم العلاقات التاريخية والدينية التي تربطه بإيران ، فضلاً عن التداخل الجغرافي والاجتماعي والاقتصادي والأمني بين البلدين . ومن الإنصاف الإقرار بأن إيران أدّت دوراً بارزاً في دعم العراق خلال الحرب ضد تنظيم داعش الإرهابي ، من خلال أشكالٍ مُتعددة من الإسناد العسكري والاستشاري واللوجستي والتجهيز ، في مرحلة كانت البلاد تواجه فيها تحدياً وجودياً هدد أمنها ووحدة أراضيها ، في وقتٍ تراجع فيه دعم عددٍ من الحلفاء الغربيين ، ولم يحظَ العراق بالمستوى المأمول من المساندة العربية والإقليمية ، وتبقى تلك المرحلة جُزءاً من الذاكرة السياسية والأمنية للعراق ، بغضّ النظر عن أختلاف المواقف والرؤى أتجاه ملفاتٍ أُخرى .
وعلى المستوى الإقليمي ، فإن مثل هذه الحشود تُعد مادةً مهمة لقراءة أتجاهات المزاج العام ، كما تمنح مُختلف الأطراف فُرصة لتقييم حجم التأثير الذي ما تزال الشخصيات القيادية تحتفظ به في وجدان مؤيديها بعد سنوات طويلة من الحضور في المشهدين الديني والسياسي . وفي المقابل ، تظل قراءة هذه المشاهد خاضعة لاختلاف الزوايا التي ينظر منها كل طرف ، مما يجعل الحدث نفسه قابلاً لتفسيرات مُتعددة ، ولا شك أن مراسم التشييع في مثل هذه الحالات تتجاوز إطارها الديني والإنساني لتتحول إلى حدث تُراقبه العواصم ومراكز الدراسات ووسائل الإعلام العالمية ، لما يحمله من مُؤشرات تتعلق بحجم الحضور الشعبي ، ومُستوى التماسك الاجتماعي ، والرمزية التي تمثلها شخصية المرشد الأعلى .
وفي هذا السياق ، تصبح الحشود جُزءاً من المشهد السياسي ، ليس لأنها وحدها تقيس النفوذ أو تُحدد موازين القوى ، وإنما لأنها تعكس جانباً من التفاعل الشعبي مع حدث أستثنائي ، كما أن مثل هذه المُناسبات تُؤكد أن الشخصيات التي أرتبطت بمحطات مفصلية في تاريخ المنطقة تظل حاضرة في الذاكرة العامة حتى بعد رحيلها ، سواء أتفقت الأطراف المُختلفة مع مواقفها أم أختلفت معها . فالتاريخ السياسي للشرق الأوسط كُتب إلى حد كبير على وقع شخصيات تركت آثاراً متفاوتة في مسارات الأحداث ، وأصبح تقييم إرثها موضع نقاش مُستمر بين الباحثين وصناع القرار والرأي العام .
ومن منظور أوسع ، تعكس مشاهد التشييع حجم التحديات التي ما زالت تواجه المنطقة ، حيث تتقاطع الاعتبارات الدينية مع الحسابات السياسية ، وتتداخل الرمزية الشعبية مع المصالح الإقليمية ، لذلك ، فإن قراءة مثل هذه الأحداث تتطلب الابتعاد عن الانفعال أو التبسيط ، والنظر إليها في إطارها الأوسع ، بأعتبارها جُزءاً من مشهد إقليمي شديد التعقيد تتداخل فيه عوامل التاريخ والجغرافيا والسياسة والأمن . وربما تكمن أهمية هذا التشييع في أنه أعاد التذكير بأن الشرق الأوسط ما يزال يعيش مرحلة تتسم بحساسية عالية ، وأن الأحداث ذات الطابع الرمزي قادرة على أستقطاب أهتمام يتجاوز حدود الدولة التي تقع فيها ، لتصبح محل مُتابعة وتحليل على المستويين الإقليمي والدولي . ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لمثل هذه المُناسبات لا تُقاس بعدد المشاركين فحسب ، بل بما تتركه من أثر في الوعي العام ، وبما تثُيره من نقاشات سياسية وإعلامية ، وبما تكشفه من مُؤشرات على أتجاهات المرحلة المُقبلة .
ختاماً .. يبقى تشييع الشخصيات التي تركت بصمة في تاريخ بلدانها أو في محيطها الإقليمي حدثاً يتجاوز حدود المراسم التقليدية ، لأنه يجمع بين البُعد الإنساني والرمزي والسياسي في آنٍ واحد ، ومهما أختلفت القراءات حول إرث تلك الشخصيات ، فإن مثل هذه المُناسبات تظل محطات تستدعي التأمل في أثر القيادة ، وفي طبيعة التحولات التي تشهدها المنطقة ، وفي الكيفية التي تتفاعل بها المُجتمعات مع الأحداث الكبرى . ومن هذا المنظور ، فإن هذا التشييع سيبقى حدثاً لافتاً في ذاكرة المنطقة ، بما يحمله من دلالات ورسائل ستظل محل قراءة وتحليل لسنوات قادمة ..
السلام عليه يوم وُلِد ، ويوم أستُشهد ، ويوم يُبعث حيّا …

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *