د. سعد العبيدي
عاود الإرهاب مرة أخرى الى فرنسا ليضربها في العاصمة باريس المعروفة بقوة أمنها وتآزر اهلها والمشاعر الوطنية العالية المستوى، ضربة تدلل على أن الارهاب آفة لا يتقيد وجودها بالمكان والزمان ولا بالخلاف بين أهل السنة وبين الشيعة، بل الافكار العدائية للآخرين التي يتشبع بها المعنيون أي المنفذون وبمقدار ما يشحنون به من مشاعر عداء تتأسس على مخزون تلك الأفكار.
إن المنفذين للعمل الإرهابي في باريس من «داعش» مسألة مثبتة حيث أعترفت هذه المنظمة الارهابية وهللت للعملية وعدت ان منفذيها قد وصلوا الى مرامهم في التقرب الى الله، ومن بعد هذا التاريخ الثالث عشر من تشرين الثاني ستكون فرنسا غير فرنسا كما قال اهلها ونوهت حكومتها، وربما اوروبا كذلك.
ونحن في الشرق أو في العراق الذي أُتخذت ارضه ساحة لحرب الإرهاب ما يعنينا من العمليات التي حدثت في باريس التي ستتكرر في عواصم واماكن اوروبية وعالمية أخرى هو جدية هذا العالم في محاربة الإرهاب ومدى الجهد الذي سيحشد لاجتثاثه من الجذور، خاصة وانه أي الإرهاب في هذا العالم الفسيح لم يحدث فجأة وكأن رسالة نزلت من السماء، بل هو فكر صيغ لعشرات بل لمئات من السنين من الوهابية التي تأخذ من القتل سبيلا لفرض هيمنتها على الآخرين، ومن الترهيب لتسويق أفكارها. انها آفة اجتماعية وتشويه لنهج التفكير الانساني.
لو القي الضوء على سلوك كبارها نجد أنهم في المدارس يدسون السموم في مناهج ينتدبون لتدريسها متطرفين يزيدون المكتوب عدائية، ونجد علماءهم في الجوامع ينادون علناً بقتل من يختلف معهم.
غيرهم من المسلمين مرتدين وكفرة لابد أن يقتلوا، والمسيحيون واليهود لابد وأن يدفعوا الجزية وغيرهم من باقي الأديان يقتلون قبل أن يسئلوا.
ونجد أغنياءهم يتبرعون من مالهم الى منظمات ارهابية، ودولهم تتستر على أنشطة مجبولة بسلوك العدوان. وبعد كل هذا الهراء والنشر المقنن والسعي الدائب لدعم هذه الأفكار المنتجة للإرهاب، يأتي البعض ليفتش عن السبب وعن الطريقة التي يتم فيها وأد الإرهاب.
إن السبب واضح واذا ما كان السلوك الانساني بشكل عام ناتجاً عن الفكر فان الإرهاب كسلوك بشري عدائي ناتج هو كذلك عن الفكر، والحرب بالضد من الارهاب سوف لا تتوقف وسوف لا تقتصر ساحتها على العراق وسوريا اذا ما بقي المنبع فاعلا في انتاج الفكر الذي يجتذب بعض الشباب المسلم المتطرف المهووس أصلا بالعداء للغير من بني البشر.
على هذا يكون الحل الوحيد هو محاربة الفكر في عقر داره، واجبار من ينتهجه من الدول لتغيير نهجها الفكري الوهابي والتوجه الى انتاج التسامح والتواد والتراحم بين الناس.
بعد ان أصبح العالم من الناحية الانسانية قرية واحدة لا مجال للعيش عليها باتجاه واحد ولا بدين واحد أو قومية واحدة… حلٌ لا يكلف البشرية سوى قول الحقيقة، فهل ستتجرأ الحكومات الغربية وتقول الحقيقة؟

