المربي الحاج رحيم عبد الرزاق الاسدي
نحتاج الى طرح يمثل (الهندسة التشريحية الكبرى للباطن والظاهر)، ويكون فيه الارتقاء المعرفي والتنموي الأعمق في هذه الأبحاث.
لذلك نحن هنا لا نفكك العلاقة بين الدين والسياسة كـ (ذات وفعل) عموماً فحسب، بل نضع (المخطط الهندسي الدقيق)، فتحدد المنابع السبع للباطن التي تمثل جوهر الدين ومصدر المعرفة، في مقابل المطالع والمخارج السبعة للظاهر التي تمثل حقل السياسة وإدارة الجوارح وحقوق الأفعال.
هذا التأصيل المعرفي غير المسبوق
الهدف من البحث: تأصيل مفهوم الدين كمنظومة (المنابع السبعة) في باطن الشيء المسؤول عن الفهم والتكليف، وبيان مفهوم السياســــة كإدارة لـ (المطـــالع والمخارج السبعة) الحـــــاكمة لحقوق الأفعال والجوارح، وصناعة التوازن البنيوي بينهما.
التمهيد – الربط المعرفي والتنموي:
تتخبط النظريات السلوكية والإدارية المعاصرة في تفسير السلوك البشري، فبعضها يركز على القوانين الظاهرية والرقابة الخشنة ويهمل باطن الإنسان، وبعضها الآخر يغرق في المثاليات النفسية المعزولة عن واقع الحركة اليومية.
لكن في باطن المنظومة العلوية، يتجلى العلاج الحاسم عبر (هندسة التوازن بين المنابع والمخارج). الدين هنا هو (مجموع المنابع السبع الكامنة في باطن الكائن)، والتي يدان بها وبناءً عليها يقع الفهم والتكليف وهي منابع المعرفة ما بعد العلم.
بينما السياسة هي (علم إدارة المطالع والمخارج السبعة للجوارح)، والتي تترجم باطن الدين إلى تفاصيل مشخَّصة ترسم ملامح الحياة وتسمى (حقوق الأفعال)، لا استقامة للمخارج السبعة في السياسة ما لم تكن منابع الدين الستة نقية ومحكومة بالوعي والورع الإلهي.
المتن المعرفي: منابع الدين الستة ومخارج السياسة السبعة:
أولاً: منابع الدين السبعة باطن الشيء ومصدر المعرفة:
الدين هو هذه المنابع الستة الموجودة في باطن الشيء والتي بناءً عليها يُدان ويُكلف وهي منابع الفهم ما بعد العلم:
• المنبع الأول (النوايا): مُنطلق الحركة: البوصلة الباطنية ومحرك المقاصد الأولى التي تسبق كل فعل وقول.
• المنبع الثاني (المشاعر): الطاقة النفسية: مخزن العواطف والميول (الحب، البغض، الخوف، الرجاء) التي تلون التوجه الإنساني.
• المنبع الثالث (الأفكار): المعالجة الذهنية: المصنع العقلي الذي يترجم العلوم والمعارف إلى مفاهيم ورؤى واضحة.
• المنبع الرابع (البصيرة): العين الباطنية: نور الفهم والفرقان النبوي والعلوي الذي يرى مآلات الأمور خلف ظواهر الأشياء.
• المنبع الخامس (الضمير): الرقيب الذاتي: محكمة الفطرة الداخلية الحية التي تؤنب عند الخطأ وتدفع نحو الحق والعدل.
• المنبع السادس (السَّريرة): العمق المستور: باطن الباطن، وهو حقيقة الإنسان الخالصة مع ربه والتي تنعكس على صفاء فطرته.
• المنبع السابع (الحس): الرقيب الحسي: الانسان يعيش فعال لو عاش الحس ويفعل كل القوى الحسية فهي الجسد المثالي.
ثانياً: مطالع ومخارج السياسة السبعة.
حقوق الأفعال وإدارة الملفات: السياسة هي كيفية إدارة وتدبير هذه الملفات السبعة للجوارح، والتي ترسم ملامح الحياة الواقعية وتسمى (حقوق الأفعال):
1. إدارة اللسان – مخرج البيان: سياسة الكلمة، والصدق، ومنع الفتن والخطابات الهدامة، وإقامة مقالة الحق.
2. إدارة السمع – مطلع الوعي: ضبط المدخلات السمعية، ومنع التجسس، وحظر الاستماع للإشاعات وبواطل القول.
3. إدارة البصر – مطلع المشاهدة: سياسة النظر الحصين، وغض الطرف عن العورات، وملاحظة عيوب الذات وإعمار الكون.
4. إدارة البطن – ملف المدخل الاقتصادي: سياسة كبح الجشع المعيشي، وحظر المال الحرام والرشوة وأكل السحت واحتكار القوت.
5. إدارة اليد – ملف الإنفاذ والقوة: سياسة الحركة التنفيذية، منع البطش والسرقة والتوقيع الجائر، واستعمالها في الإنتاج والإعمار ونصرة المظلوم.
6. إدارة الرجل – ملف السعي والميدان: سياسة الحركة الجغرافية، والمشي بتواضع، ومنع السعي في ركاب الظالمين والمسير نحو مواطن الإصلاح.
7. إدارة الفرج – ملف الحصانة الاجتماعية: سياسة العفة وحفظ النسل، وحماية النسيج الأسري والاجتماعي من التحلل السلوكي.
التطبيقات التنموية والواقعية (خلق التوازنات في الواقع المعاش):
حين نطبق هذه الهندسة الدقيقة على الواقع العراقي والإسلامي المعاش وفي مؤسساتنا التنموية، نحدث توازناً بنيوياً يقضي على أزمات الإدارة والنفس:
• التوازن في الإصلاح الإداري والنزاهة – الحوكمة الباطنية:
في دوائر الدولة والشركات، الفساد المالي يبدأ عندما ينحرف منبع (النية) و(الأفكار) في باطن الدين، فينتج انحرافاً في ملف (اليد) و(البطن) في مخارج السياسة عبر التوقيع على عقود فاسدة وأكل الرشوة والسحت، التوازن التنموي العلوي يفرض ألا نكتفي بوضع كاميرات مراقبة (رقابة خارجية)، بل بتثقيف وتنمية (الضمير والبصيرة) لتستقيم حركة اليد والبطن طوعاً لوجه الله.
• التوازن الإعلامي والثقافي – سياسة الكلمة والوعي: نرى في واقعنا المعاش انفلاتاً في ملف (اللسان) و(السمع) عبر منصات التواصل والفضائيات (سب، قذف، إشاعات)، هذا التلوث التنفيذي ناتج عن تلوث منبع (المشاعر والسريرة) بالأحقاد والطمع، التعليم التنموي لمدرسة اهل البيت يفرض تصفية منابع الأفكار والمشاعر (الدين) لكي تنتج سياسة إعلامية (مخارج السمع واللسان) تبني السلم الأهلي وتدير التنوع بحكمة الكلمة الطيبة.
• التنمية البشرية وصناعة الكوادر الشابة:
نُعلم الشباب في مدرسة اهل البيت أن (حقوق الأفعال) السبعة هي ساحة ممارستهم السياسية اليومية، سياسة الشاب لنفسه ولمؤسسته تتجلى في أين تمشي (رجله)، وبماذا تنطق (شفتيه)، وكيف يضبط (بطنه وفرجه) هذا الضبط الظاهري هو المظهر الشاخص لعمق دينه ونقاء سريرته وبصيرته، وبذلك نصنع القائد المتوازن الذي يدير ملفات الحياة بكل تفاصيلها دون أن يزل أو ينحرف.


لا يوجد تعليق