Pdf copy 1

علي حسين عبيد 
في حوار دار بين رجلين استمعت له مصادفة، ورد ذكر التفجيرات الانتحارية التي ضربت العاصمة الفرنسية باريس قبل مدة، وكانت الجملة الأبرز في هذا الحوار بين شخصين دلَّت هيأتهما (الملبس وتصفيف الشعر ولغة الحوار)، على مستوى الوعي البسيط لهما، هي أن باريس (هي التي فجَّرت نفسها)، ثم أوضح أحد الرجلين، أن الغرب هو من ساعد على صنع الارهاب فعاد إليه وضربه!.
تُرى ما هو مقدار أو نسبة الحقيقة التي تكمن في قول هذا الرجل البسيط؟، وكيف استطاع رجل بهذا الوعي البسيط أن يفلسف الارهاب وصناعته بهذه الطريقة التي قد تلمس جوهر ما حدث في باريس من تفجيرات، بل تقرأ حقيقة الارهاب الذي صنعه الغرب وأشرف عليه وموّله وخطط له تبعا للأهداف والحسابات الدولية وصراعاتها المستدامة.
ثمة مؤشرات تدل على أن فرنسا انساقت نحو بؤر الارهاب، وسال لعابها عندما عقدت صفقات توريد السلاح الفرنسي لبعض دول الخليج لا سيما السعودية بمليارات الدولارات، ولكنها لم تعِ أنها دخلت في حقول ملغومة سوف تنفجر عليها في أية لحظة، وهذا ما حدث بالفعل، فمن مضاعفات تلك الصفقات غير المحسوبة، وصل الارهاب بهذه الكثافة الى عقر دار فرنسا وضرب عاصمتها بعنف، فلأول مرة في التاريخ الأوروبي بل في تاريخ العواصم الغربية يتم ضرب عاصمة غربية بهذا الكم الهائل والمنسَّق من التفجيرات، اذا ما استثنينا احداث ايلول 2001 باعتبارها أكثر هولا وضخامة.
إن فرنسا خصوصا، والغرب عموما لم يركز، في علاقاته الاقتصادية والسياسية، على قضية منبع الارهاب، ولا المصدر الذي ينتج الارهاب ويقدم له التسهيلات اللازمة، بعد أن يوفر له كل عوامل النشأة والرعاية والترعرع، حتى يقف على قدميه بقوة، فتبدأ موجات الارهاب بضرب الدول والشعوب الآمنة، خدمة لأهداف اقليمية ودولية يتم التخطيط لها والتنسيق بشأنها مسبقا.
ألم يتم تمزيق سوريا، وهي دولة مستقرة، وشعبها آمن؟، ثم أليس من الأجدر بمن زرع الارهاب في الارض السورية أن يترك شأن سوريا والحكومة السورية لشعبها؟، وهذا بالضبط ما حدث في العراق ايضا عندما تم تصدير آلاف الانتحاريين له، فتم إزهاق آلاف الارواح من الشعب العراقي بسبب الارهاب وحقد الدول والانظمة والدوائر التي تديره وتموله، فضلا عمّا حدث في دول عربية اخرى مثل ليبيا التي 
لا يزال شعبها يخوض في بحر من الدماء حتى اللحظة.
ولم تتعظ فرنسا ولا اوروبا ولا الغرب كله، عندما كانت اصوات التحذير تنطلق نحوهم بقوة بشأن ضرورة محاصرة أدوات الارهاب والعوامل الداعمة له، بل كان الاجدر بفرنسا والدول الغربية الاخرى منع آلاف الاشخاص المتطرفين الذين تكالبوا على ارضي العراق وسوريا وانضموا الى العصابات الاجرامية لداعش، وقتلوا وعاثوا فسادا في الارض والارواح من دون وازع من ضمير، فأين ذهب ضميرهم الانساني بخصوص هذه الظاهرة التي بقيت مستمرة حتى الآن من دون ان تحرك الحكومات الغربية ساكنا لمنع بعض مواطنيها المجرمين من الانضمام الى داعش؟.
وبعد ذلك أطلقوا على هؤلاء المجرمين مصطلح (الذئاب المنفردة) محذرين من عودتهم فرادى الى دولهم الأصلية ومن ثم بدء جولة جديدة من الارهاب في عقر تلك الدول، وهو ما حدث بالضبط، حيث الارهاب يعود ليضرب الأيدي التي صنعته، وهنا لا بد من العودة التي وردت في بداية هذا المقال، لنجد تطابقا بين ما حدث في باريس من عنف وتفجيرات مؤخرا، وبين ما ورد في الجملة المشار إليها في الحوار.
إن باريس وفق هذا الرأي تبدو وكأنها شاركت بالفعل في ضرب نفسها، اي إنها فعلا أسهمت بموجة الارهاب التي داهمتها فجأة، وليس ثمة مغالاة في هذا الرأي الذي ورد على لسان رجل بسيط الوعي والمعرفة، فهل عجزت العقول الغربية والفرنسية عن استباق ما حدث؟، بالطبع كلا، إنهم كانوا يعرفون مثل هذه النتائج وربما يتوقعون حدوثها، ولكنهم تعاموا عن مثل هذه التوقعات والاحداث الخطيرة، لأسباب منها (المليارات التي أعمت بصيرتهم مقابل توريد السلاح لبعض دول الخليج)، كذلك محاباتهم أو رضوخهم لأميركا بخصوص المخططات التي تحفظ مصالحها القومية، والتي تستوجب ترتيب الأوراق الاقليمية من خلال استخدام ورقة (داعش) والارهاب.
في الخلاصة، خذ الحكمة من أفواه البسطاء، وهذا ما أوضحته الجملة التي وردت في حوار الرجلين. لقد أسهم الغرب في تمكين الارهاب حتى وصل الى مدنه وأراضيه، والمثال الأقرب هو باريس الذي لا يزال الرعب يخيم على سكانها، فضلا عن العواصم والمدن الغربية الأخرى، الأمر الذي يستدعي إعادة حسابات فورية للتعامل مع هذا الخطر الذي يحدق بالعالم أجمع.

التعليقات معطلة