القاضي سالم روضان الموسوي
إن الأنظمة السياسية أو ما تسمى أنظمة الحكم عندما ظهرت كانت رد فعل تجاه الحاجة إلى وجود تنظيم لأعمال الدولة وانسيابية إجراءاتها لان سلطان الدولة ظهر في المجتمعات البشرية كضرورة للوقوف تجاه الأنانية الفردية لان الفرد أناني بطبعه ويقول احد المختصين في النظم السياسية الدكتور ربيع انور فتح الباب متولي في كتابه الموسوم (النظم السياسية ـ منشورات الحلبي الحقوقية ط2013 ص16) بان الانسان (يسعى لإشباع حاجاته دون اهتمام لحاجات الاخرين، وانضمامه الى الاخرين في مكونات اجتماعية القصد منها حمايته وليس حماية الاخرين وكان لابد من تقييد نزواته ورغباته الشخصية تجاه حاجة الموجموع وهو لا يستطيع تقييد نفسه بنفسه وانما لابد من وجود سلطة عليا تصدر القواعد التي تحدد سلوكه تجاه المجتمع) ثم ظهرت النظريات والمدارس في الانظمة السياسية إلا أنها استقرت على أنظمة الحكم التي تمثل وجه الدولة المكونة من السلطات الثلاث على وجه العموم، باستثناء بعض الدول التي قد تنحصر تلك السلطات جميعا بيد الحاكم او بعضها لكن السائد هو وجود ثلاث سلطات مكونة لها (التشريعية والتنفيذية والقضائية) وفي العراق حدد الدستور العراقي لعام 2005 تلك السلطات الثلاث على وفق حكم المادة (47) من الدستور التي جاء فيها الآتي (تتكون السلطات الاتحادية، من السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، تمارس اختصاصاتها ومهماتها على أساس مبدأ الفصل بين السلطات) وهذه السلطات عليها أن تعمل على وفق تناغم يؤدي إلى التعاون بين تلك السلطات التي تعمل على وفق مبدأ الفصل بين السلطات وكل سلطة لابد لها أن تحدد سياستها في عملها مستمدة من المبادئ الدستورية التي حددها الدستور النافذ وظهرت في سبيل ذلك مفاهيم متعددة مثل السياسة التشريعية وتفرعت منها السياسات المختصة في بعض القطاعات مثل السياسة التشريعية الجنائية والاقتصادية وغيرها من الأوصاف، ومثلها في سياسة السلطة التنفيذية والمسؤول عنها رئيس مجلس الوزراء على وفق حكم المادة (78) من الدستور النافذ ، والسلطة القضائية بوصفها إحدى السلطات الثلاث لابد وان تكون لها سياسة قضائية تستمد مفرداتها من مبادئ الدستور الناقد المتعلقة بالسلطة القضائية والمبادئ ذات الصلة بالحقوق الواجبات لان عمل السلطة القضائية العام يتعلق بصيانة الحقوق وحمايتها، وعند النظر في الواقع القضائي العراقي منذ أن ظهرت المحاكم الوطنية بعد عام 1917 لغاية 2003 نجد إن الساسة القضائية كانت ضمن مفردات السياسة العامة للدولة بواسطة سلطتها التنفيذية لان القضاء كان جزء من وزارة العدل التي تتبع للسلطة التنفيذية، وبعد أن حصل القضاء على استقلاله وأصبح سلطة قضائية مستقلة عن السلطة التنفيذية وعلى وفق أمر سلطة الائتلاف المؤقتة المنحلة رقم (35) لسنة 2003 والذي عززه دستور عام 2005 في الفصل الثالث من الباب الثالث من المادة (87) ولغاية المادة (101) من الدستور، ثم تولت السلطة القضائية إدارة نفسها بنفسها وكان لابد لها أن تعلن عن سياستها القضائية تجاه العمل القضائي، والمتابع لأعمال السلطة يجد إن سياستها واضحة تجاه مواكبة التطور القضائي وإعلاء المبادئ التي وردت في الدستور تجاه الحقوق والحريات العامة والخاصة كما كان لها اثر واضح من خلالها سياستها القضائية تجاه شكل النظام السياسي في العراق على وفق المبادئ الدستورية من خلال الأحكام والقرارات التفسيرية التي أصدرتها المحكمة الاتحادية العليا بوصفها القضاء الدستوري، ثم أوضحت السلطة القضائية سياستها العامة تجاه إجراءات العمل التنظيمي للسلطة القضائية التي لم تقف عند بيان هكيلية المحاكم ومكوناتها المؤسساتية وإنما تجاه تنمية الاجتهاد القضائي بما يتفق والمفاهيم المتطورة تجاه الحقوق والواجبات سواء التي وردت في الدستور أو المواثيق والمعاهدات الدولية ومنها على وجه الخصوص الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، لكن قد لا تكون هذه السياسة واضحة للعيان بعنوانها الصريح وإنما بمفاهيمها الإجرائية ، وللوقوف على وضوح الصورة الذهنية تجاه السياسة القضائية، لابد لنا أن نبين ما معنى السياسة ولو بعرض بسيط حيث يرى البعض بأنها فن الممكن كما وجد لها عدة تعاريف أخرى لا مجال للخوض فيها في هذه الورقة لكن التعريف الذي يتفق مع هدف الساسة القضائية ما عرفه بعض المختصين في فقه السياسة ومنهم الدكتور ايمن المصري في كتابه الموسوم (معالم النظام السياسي ـ منشورات مركز الهدف للدراسات في بيروت ـ ط 2012 ـ ص 11) حيث ذكر بان (السياسة هي التدبير المستمر ولا يقال للتدبير الواحد سياسة فكل سياسة تدبير وليس كل تدبير سياسة) والسلطة القضائية قد أعلنت عن مفردات سياستها القضائية عبر إستراتيجية وتدابير إجرائية اتخذتها منذ عام 2003 ولغاية الآن والمتابع للعمل القضائي يجد إن السلطة القضائية لم تقف عند تدبير معين بذاته وإنما مستمرة في ذلك بإتباع إجراءات إضافية مكملة لان عملها عمل بناء مقومات سلطة قضائية، وهذا العمل بحاجة الى إيجاد أسس مبنية عبر بناء قواعد تكون أساس لما بعدها من إجراءات حتى يصبح البناء متكامل وبذلك تجد إن إستراتيجيتها قد حددت الملامح العامة للسياسة القضائية، إلا إنها لم تكن هي السياسة القضائية لان إستراتيجية تختلف عن السياسة حيث ان المختصين في الإستراتيجية عرفوها بان (تعني أصول القيادة الذي لا اعوجاج فيه، فهي تخطيط عال المستوى، فمن ذلك الإستراتيجية العسكرية أو السياسية التي تضمن للإنسان تحقيق الأهداف من خلال استخدامه وسائل معينة، تعني الطريق أو الإستراتيجية، فهي علم وفن التخطيط والتكتيك والعمليات، ثم استعملت هذه الكلمة في المجالات المتعددة في شتى مناح الحياة العامة) وبذلك فإنها لا تمثل إعلان للسياسة القضائية وإنما تتضح معالم هذه السياسة عبر التدابير والإجراءات المتواصلة في بناء مكونات السلطة القضائية، ونجد ان الإجراءات التي اتخذت تجاه التوسع الأفقي والعمودي في مفردات ومكونات السلطة القضائية وكذلك المعبرة عن التنوع في أداء أعمالها بين قضاء دستوري وقضاء اعتيادي أو بين إجراءات في تنمية الموارد البشرية واللوجستية والتنظيمية بين إجراءاتها في تنمية الاجتهاد القضائي وكل منصف سيجد ان السلطة القضائية لها سياسة واضحة المعالم تجاه العمل القضائي بما يتفق ومبادئ الدستور ذات الصلة بالحقوق والحريات وتكوين شكل الدولة الدستوري عبر القضاء الدستوري ممثلا بالمحكمة الاتحادية العليا.

