عبود الجابري
ما إن تفكّر في الأسواق الشعرية العربية حتى يتبادر إلى ذهنك ذلك المشهد المكرر في الدراما التاريخية العربية المعاصرة: طاغية يقف على مرتفع من الأرض يحيط به جمع من الناس، يتوسطهم شاعر يصدح بمديح ذلك الطاغية الذي يهز رأسه ويمسد شعر لحيته إعجابا، ولا يلبث المشهد أن ينتهي بتلك النهاية المخجلة، حين يرمي له كيسا من الدراهم التي لا بدّ لها أن تصدر صوتا واضحا حين يتلقفها الشاعر بيديه مبتهجا بثمن قصيدته التي يتناقلها الرواة بيانا بلاغيا يعضّده ذلك الرضا المبارك.
ذلك يعني أن هناك مناطق حسية لدى الطغاة يمكن مغازلتها بالشعر، مثلما يعني أن التاريخ يحفل بأسماء كثير من الطغاة الذين كانت ذائقتهم النقدية رفيعة إلى درجة أن جعلت الآخرين يحفلون بآرائهم في الشعر والشعراء، مثلما حدث مع الشاعر العظيم أوفيد، في السنة الثامنة بعد ميلاد المسيح، عندما قام قيصر روما آنذاك أوغسطينوس بنفيه إلى جزيرة ألبا عقابا له على خطأ ارتكبه في كتابة قصيدة، ومثله جرير، الشاعر الفحل حينما دخل على عبدالملك بن مروان وأنشده قصيدته التي افتتحها بقوله:
“أتصحو أم فؤادك غير صاحٍ/ عشيّة همَّ صحبك بالرواح”
فما كان من عبدالملك إلا أن قال له: بل هو فؤادك يا ابن الفاعلة، ولعلّ عوامل البيئة وعلاقة الأفراد باللغة وضرورة أن يكون الحاكم على قدر معين من البلاغة وكون الشعر جزءا من التاريخ الشفاهي والمكتوب للأمم جعلت من أولئك الطغاة يحفلون بالشعر، الأمر الذي جعل كثيرا منهم يكتبون الشعر، ولا يخلو التاريخ من طغاة كتبوا قصائد تعتبر من عيون الشعر، مثل يزيد بن معاوية والحجاج ونيرون وستالين.
أولئك الطغاة الذين تفننوا في إراقة الدماء مثلما أبدعوا في تسطير الشعر كانوا نتاج بيئات تضج بالمقومات التي جعلتهم يمسكون بزمامه، يقابلهم طغاة عيونهم على الشعر رغم فقرهم المعرفي وعدم إدراكهم للوسائل التي تمكنهم من تمييز الغث من السمين في ما اقترفوا من قصائد، إنّه طغيان من نوع آخر كذلك، فلا أحد يمكنه أن يقول لهم “أغلقوا أفواهكم”، بل إن شرذمة من النقاد يتبارون في إيضاح مواطن الجمال في قصائد الطغاة وتبيان المقاصد السامية من معانيها، وقد ينبري الفاشلون من المغنين في الترنم بها أسوة برفاقهم المطبلين. ذلك التهافت على الشعر الذي يتزعمه هؤلاء الطغاة ليس سوى معادل نفسي لهم حين لا يجدون في حياتهم سوى ما يقلق نومهم ويتكفل بنفيهم عن الحياة التي يغبطون الآخرين عليها، الطاغية يبحث دائما عما يجعله جميلا في مرايا ذاته، والشعر إحدى الوسائل التي يلجأ إليها كفعل سام متفق عليه عبر العصور، وهذا الفعل مرتبط دوما برقة الحاشية والرقي العاطفي والارتباط بالوعي والثقافة بشكل كبير، وتلك لعمري صفات يفتقر إليها طغاتنا نحن الذين لا نملك سوى الشعر وسيلة نلوذ بها حين يحتل الطغاة أوطاننا ويغرقونها بالدم والقصائد الرديئة وليس لنا سوى أن نتمثل بقصيدة الشاعر الأميركي البريطاني أودن “شاهدة قبر الطاغية”، إذ يقول “كان إذا ضحك/ يغرق السيناتورات المبجلون بالضحك/ وإذا بكى يموت الأطفال الصغار في الشوارع”.

