عبد الرحمن عناد
الكتابة عملية خلق مستمر ، ولا كمال في نص ، لانه يبقى قابلا لجديد يضاف ، او تعديلا في اصل ، وأمنية الكاتب لا تتوقف في ان يعود به الزمن ، فيضع لمسات جديدة ويعدل بأخرى . واذا كانت الكتابة بديل النطق ، والنقل الشفاهي ، الذي قد يزول بعد حين ، ان لم يجد من يحفظه ويتداوله ، فأنها أيضاً توثيق للنطق ، وبديل موثوق له ، تحقيقا لدوام الاستمرار . وان كانت الحروف في بداياتها الموغلة في القدم ، رسوما مجردة للدلالة العيانية ، فالكتابة اليوم رسم بذاتها ، في تعبير وإيضاح وتوصيل ودوام ، وصورة تتشكل في الذهن . والكتابة إحدى وسائل التواصل مع الذات والآخر ، مثلما هي وسيلة لمواصلة الحياة ، وإثبات لوجود الذات في محيطها ، وبناء معماري ينضحه العقل ، بل هي حدث بذاته، وطواف في الأمكنة والأزمنة ، تؤكد نفسها كصديق مخلص ، ووسيلة أساسية للتعلم ، تتوازى مع كونها طاقة تنفيس عن مخزونات الأعماق .
وفي حين تكون الكتابة وسيلة للتواصل مع الغير ، تكشف عن متعة وإفادة وضرورة ، فهي في شق آخر منها غاية ، حين يرغب الكاتب بأن تكون كتابته ، على قدر من الجودة والتأثير والتقبل ، وهذا حق مشروع له ، يدفعه لتطوير أسلوبه ، ومراكمة معرفته اللغوية ، والاطلاع المتواصل على مختلف الأساليب التي تستولدها مدارس الإبداع .وتبقى الكتابة بعض طريق الخلاص ، لذوي التجربة والإحساس المرهف ، تقودهم الى عوالم اكثر استجابة لهم ، ومطواعية في تحقيق الذات والأحلام ، عبر إنجاز فكري يتعشق اللغة مظهرا ، وليس من شك في ان الحلم والذاكرة والقدرة ، تمثل عالم الكاتب وساحته ووسيلته ، لخوض تجربة الكتابة التي لا تتوقف ، ولا يمكن القول ان ثمة ختاما او كمالا لها .والأسلوب شكل الكتابة ، وجسر الكاتب الى المتلقي ، وعليه ان يحسن بناء الجسر لوصول امن ، رغم ان الكثيرين يكتبون بداية لأنفسهم ، كما يقول بورخس : ( اكتب لنفسي ، واكتب لأصدقائي ،واكتب لكي أخفف من ثقل مردود الزمن ) في اختصار معبر لمهمة الكتابة .والكتابة رفيق عزيز ، منذ مطالع الصبا الشباب ، حتى مفازات الشيخوخة ، وكم من كتاب ما زال طريا في الذاكرة ،وكم من كاتب حظي من النفس بالمحبة والتقدير ، في رحلة لا تتوقف تعلما وتأدبا وانبهارا ، وما زال في الروح متسع لمزيد ، في رحلة لا يكف حاديها عن مؤانسة وآمل يبدد جفاف البيد ، التي لابد ان تقطع !

