أدهام نمر حريز
لم تنقطع سماء الابداع عن ارض العراق الجريح , ففي كل يوم لنا شمس تشرق أبداعا و شعرا وادب .
ومن كل هذه النجوم اخترنا الشاعر العراقي/مهدي سهم الربيعي وقصيدته بعنوان (صِراطُ السلاطين ) لنسلط على جمالية الصورة الشعرية وثراءها في قصائد هذا الشاعر و البناء النصي السلس و الجميل من خلال ما جادت به قريحة هذا الشاعر .
استهل الشاعر قصيدته بجمالية في بناء لغوي محكم , ذو دلالات عديدة ( أَوْقَدوا مَحارِقَ الفَوْضَى،، حَوْلَ شَجرةِ مِيلادِ عيدِ المَجانِين…
فَتحوا أَكْمَامُ الخَبَلِ،، عَلَى هدأةِ مُتونِ الرِّيح…
كانَتْ النجوى أَنّينَاً في مفازات القَضيَّة.. يَوْم جَاءُوا بِردائِها…
ربط الشاعر الصورة الواقعية لما يدور في محيطنا من فوضى عارمة تضرب حياتنا , باسلوب تجعل من الجمله شطرا طويلا لمعناها العميق , و تجعل من مخيلت المتلقي تسترسل بمهرجان او عيد فوضوي و مجنون كالريح سرعة في الانتقال و التاثير , وهو ينقلها بسرعة الى حيث الحدث الجلل و الصعب من الاحداث , فالسلطان له حكما جائر .
ثم يصف اليوم ( يَوْم جَاءُوا بِردائِها ) فجعلها قابلة للتاويل باتجاهات عديدة , اي يوم نقصد ؟! . وكانه يشير الى خطيئة الاخوه و مكرهم باخيهم ( يوسف ) , او بصورة عامة يربطها بظلم الانسان لاخية الانسان .
ثم يعود ويصف حال من مروا بهذه الفوضى المجنونة ( مَمرَّاتٌ عاريةٌ تَحلمُ بالخلاص…
إصبعٌ مَبتور،، خَطَ على صَفْحةِ ضياءِ النُّجومِ مَقْبرَة…
حَقيقةُ المَوْئِلِ الأَخير فَرسٌ جَموحٌ.. إسْتَحالَ تَرْويضُها…
في مَيْدانِ الصبا القابِلُ لِلمَوْت…
دُسَّتْ الأُمْنيَّات تَحْتَ شَراشفَ القُبح المُقدَّسة…
عَبيرُ الزَّهْرِ تواقٌ لتَقْبيلِ النَّدى…
قَوسُ مَواسِمِ الحَنين، تواقٌ لمُعانقَةِ سهامِ الرَّجاء…
نِزاعُ مخاض بينَ السَّطْحِ والقاع…
بِأَجْسادٍ مُنكسرةٍ خاليةٍ من الأَرواح…
أكمل الشاعر / مهدي سهم الربيعي مابداه في البداية من رسم صورة معبرة للمعاناة وطلب للخلاصة , فيصف الممرات بالعارية كالتي خرجت بتجرد هاربة من مصيرها المحتوم , وراح يسترسل في التعبير بصوره تجعل الوجدان اسير لها وهو يكمل برصيده المتمكن من لغة خطابه الى المتلقي مستخدما انزياحا بناه بنسق يتماشى مع توصيفه الرائع , وهو يرسم بطريقة توحي له بانه يعيش فيها وليس بعيد منها .
ولكن هذه الصرخات و الامنيات المكبوت في الخلاص من الفوضى و الظلم و الخوف تبقى مختنقة لحد الموت كان اليأس قد حكم عليها, وهو يقول ( صَرخاتُ الصَّمتِ تَختَنقُ في آخَرِ رَمق…
عَبثًا تطرَقُ أَبوابَ الهَواء…
عَبثًا تُحدِّثُ دَويًّا قُربَ مسامعٍ أَصابَها الصمَم…
سَتائرُ الغَسَقِ أَسْدَلَتْ ظُلمتَها…
على أُكْذوبةِ الفَجرِ العَتيق…
طُرُقاتٌ مُلْتَويةٌ غارقةٌ في فناطيس شُهُبُ الدُّجى…
وفي محاولة لاختتام المهرجان الذي بدأه في القصيدة بعد ان وصل الى ذروته , يعود الشاعر ليصف الاجواءالسائدة فيها و التي كانت حاضرة منذ البداية في قصيدته و ليربطها بصورة تعبيرية واصفة الحالة ( فَضائها يَزخرُ بِبَريقٍ،، لِبَقايَا ذكرَياتٍ سرِّية…
سُباتُ الزمَن،، وُلدَ في لَحظاتٍ عاقرة…
آياتُ الشَّيطانِ تُتْلى بِتجويد…
أَنسامُ بَرزَخٌ منْ جَهنَّم…
تَهبُ بِرغَباتٍ وشَهواتٍ بهية…
في صَلابةِ عُودهِ يَرْتَجف…
صِراطُ السَّلاطينِ،،
غَيرُ المُسْتَقيم…
ورغم انه وصل الى ذروة قصيدته بان عبر عن كل هذا بان صراط السلاطين لم يكن ليستقيم بكل حال من الاحوال , فجعل من هذه المصيبة سرمدية الدوام وكانها تعود وتبدأ من جديد كلما اقتربت من النهاية .لقد كان الشاعر موفقا في قصيدتة واستخدم فيها ادوات التعبير و الوصف بصورة رائعة جدا و محترفة , اثرت فيه الجانب الشعري للقصيدة

