نبيل عبد الكريم
تعلمت هدى ابنة عطالله سرّ الأنوثة من طيور الحمام وهي ما تزال طفلة، وعلى نحو غامض أدركت أن جمال المرأة لا ينبع من أي عضو من الأعضاء الظاهرة أو المستترة من جسدها، بل من اختيار اللحظة المناسبة لإطلاق الرفيف السحري لأنوثتها والكفيل بجعل الأفئدة الخشنة للرجال تهوي إليها كما تهوي ذكور الحمام من السماء إلى الأرض. عطاالله أشهر مربي الحمام في المدينة، عيناه واسعتان تحفّهما رموش طويلة، شعر رأسه غزير منسدل دون عناية على جبهته الصغيرة، وأنفه دقيق وطويل يمنح شاربه الكثيف بروزاً شهوانياً، وشعر جسده كثيف ناعم يغطي ذراعيه النحيلتين ويرتفع فوق صدره العريض وصولاً إلى حنجرته، وخصره دقيق وساقاه رفيعتان. جماله الصارخ دفع زوجته في بداية زواجهما إلى حافة الجنون غيرة عليه من نساء الحي، لكنّ نظره الدائم إلى السماء جعلها تطمئن قليلاً، إلى أن أدركت أنّ هوسه بالإناث المجنحة أخطر عليها من تعلقه بالإناث الأرضية. ورثت هدى عن أمها بياض بشرتها النّمشي، وشعرها الأحمر، وأنفها العريض، وأسناها الفرقاء البارزة، ولم تمنعها عيناها الزرقاوان من مشاركة أبيها نظره الدائم نحو قرص الشمس الغاربة لمراقبة سرب الحمام وهو يدور حولها ويعبر هالتها المتوهجة، وعندما تدمع عيناها ترفع كفها فوق جبينها المتورد على شكل مظلة صغيرة. وقبل أن يختفي قرص الشمس خلف المنازل البعيدة تسارع هدى إلى بيت الحمام وتعود حاملة الأنثى الوحيدة فيه، الهزيلة المنتوفة الريش، فيحملها عطالله ويلقيها بضعة أمتار في الهواء، فتخبط بجناحيها قليلاً ثم تهبط، خبطات خرقاء لكنها كافية لاستدعاء سرب كامل من الذكور المحلقة لتهبط عندها وألسنتها العطشى تتدلّى من مناقيرها.في سن الثالثة عشرة بدأت هدى تقود سربها الخاص؛ بمجرد أن تغادر بوابة البيت يصطف خلفها ذكور الحي الذين لم ينبت ريشهم بعد، ينسربون من أبواب البيوت ويقفزون من شبابيكها، ويركل الذين في الشارع كراتهم بعيداً أو يرمون أعقاب سجائرهم الثمينة وينطلقون في أعقابها وألسنتهم تتدلى من أفواههم. ترميهم هدى بنظرة ضاحكة وتتأكد من اكتمال العدد ثم تبسط ذراعيها وتركض بخفة ودلال، تجوب الشوارع وهي تتمايل بجناحيها وتضبط إيقاع السرب، وجهها متورد وعيناها تعكسان زرقة السماء وفمها مفتوح عن أسنانها البارزة. تصعد أمها إلى سطح البيت وتقول لزوجها :
– انظر إلى ابنتك وكل زعران الحي يركضون خلفها! يسمع عطالله ملاحظة زوجته دون أن يخفض عينيه المعلقتين بالسماء، يمشي على مهل نحو سور السطح ويلقي نظرة لامبالية إلى الشارع فلا يرى غير ظل سربه السماوي يجوب أنحاء الحي.

