علي حسن الفواز
يبدو أن لعبة السياسة لا تحتاج الى الجنون كثيرا، قدر حاجتها للعقل ولو قليلا، لأن الرهان على الأوهام سيفضي الى حماقات هذا الجنون، والى المزيد من الشطط والخسارات، وبالمقابل يكون الركون للعقل دافعا عميقا للحماية والمنع ومعرفة العدو وهو ينتفخ بأوهامه.
هذا التوصيف ينطبق على الكثير من دول المنطقة، تلك التي وضعت العقل في (المزبلة) وراحت تصطنع للجنون أصناما، وبطولات، وأوهاماً، حدّ التورط في حروب غير عاقلة بالمرة!! ومن الصعب جدا حساب أرباحها وخسائرها، أو التعاطي معها بوصفها ضرورات وخيارات لا محيد من اللجوء اليها، وما يحصل اليوم على جبهات هذه الحروب المفتعلة وغير الضرورية يكشف عن هشاشة تلك الخيارات، وعن الجنون الذي يقف وراءها، إذ تتسع مساحة الخراب والكراهية والاعداء المتضادين، مثلما تتضخم الأوهام والأكاذيب، حدّ أننا بتنا أمام معسكرات تزحف على العقل والعمران، وثروات وطنية/ قومية تُبدد عبر هذه الرهانات القبيحة، وعبر السياسات التي يديرها الأشباه والمراهقون والانفعاليون والطائفيون و(فقهاء الظلام).
سرديات الجنون..مراثي العقل
قد لا نحتاج الى وقائع بعينها للحديث عن سرديات الجنون، فما يحدث في اليمن وسوريا وليبيا، واحتمال حدوثه في تونس يكشف عن هذا الهوس السردي، والرهان على الجنون بوصفه بات هو الوسيلة المتيسرة للتعبير عن الكراهية، وعن الإفراط بالقوة، أو حتى المشاهرة بأسلحتها ورعبها، وهو ما نراه اليوم في العراق، وعبر ما يُعلَن من سياسة (ناقصة العقل) لها رائحة الرهانات الطائفية القبيحة، عبر اللجوء الى توسيع الجرح الوطني، أو عبر البحث عن مجانين آخرين لحلِّ محنة العقل الغائب، وأحسب أن الموقف من أحداث المقدادية هو بعض هذا الجنون، إذ ليس من الحكمة أن نضع (البلاد) تحت شهوات الآخرين، والذين نعرف حيوانية غرائزهم، كما أن البحث عن حلول واقعية سيكون هو الرد الحاسم على (مشعلي الحرائق)
البحث عن حلول غير عراقية للعراق يفقتد لوجود الشرط الموضوعي – كما يقول الايديولوجيون – والرهان المطلق على ما يسمى بالتحالف الدولي سيكون نوعا من (المقامرة) إذ أن هذا التحالف المفترض لا يشتغل لسواد عيوننا، ولا يؤجر طائراته ومراكز تجسسه وخبراءه بالمجان، فكل شيء في هذه اللعبة العاقلة جدا خاضع لحسابات وسياسات، لكن البعض العربي المُغفّل والموهوم بعقدة السيطرة سيجد نفسه أضحية في شدائد الأمور، وربما ستكون خسائره المادية والرمزية أكثر بشاعة، فماذا يعني تدخّل قوات سعودية وخليجية مثلا في مواجهة داعش وتحرير الأرض العراقية، وهم الضعفاء جدا في حسم الأحداث في اليمن؟!.
أظن أن في الأمر شيئا مُبيَّتاً، وأن صناعة خنادق الأزمات والجماعات ستكون وهما باتجاه ترسيم ما هو هشّ أصلا، وترتيب أوراق وحتى جغرافيات لم يعد لها في الواقع أي وجود، وهذا مايدفع (الهؤلاء) كما يسميهم مجيد طوبيا الى التورط في الحماقات، وفي الخيارات المجنونة، والتأسيس على سرديات مُضلِلة، مقابل التلذذ بما هو معروض من مراثي العقل.كما أن ما يحدث في سوريا يثير الكثير من السخرية، فالحسابات في سوريا صارت شأنا دوليا للكبار، وأن الصغار سيكونون جزءا من (الديكور) أو ربما جزءا من الخسائر، ولعل اختيار اعضاء وفد المعارضة للتفاوض مع الحكومة السورية في جنيف يكشف عن أعراض مجنونة، فماذا يعني وجود إرهابيين في الوفد؟ وعلى ماذا يراهن البعض حين يقترح تسمية تفاوضية لهم؟.
أليس هذا بحثا عن وهم التعويض على طريقة علماء النفس؟ وربما هو محاولة للإثارة الإعلامية التي تعكس النزوع الى الحلول اللاعاقلة، والتمسك بنوع من العصابية التي تعني رهانا على الوهم، والتخلي عن الواقعية والموضوعية، وحيازة الحكمة في التعاطي مع موضوع شائك لا تسنده وقائع على الأرض، ولا تشفع له مرجعيات قانونية أو أخلاقية، إذ باتت الأرض خارج السيطرة، والوضع الدولي ما عاد خيارا سهلا، والتوهم بوجود حلفاء مصطنعين لا يمكنه أن يكون رهانا عاقلا، لأن الجميع أصبح على يقين بأن خيار الحرب هو الجنون، وأن أي توصيف لها لا يمكن أن يسدّ الذرائع كما تقول القاعدة الفقهية، فالحرب أضحت فسادا في الارض، وأن محاربي الجماعات أضحوا الأكثر نشرا للفساد في مدنها وشوارعها، فهم تكفيريون ومجانين وقتلة، وأن شواهد ذلك موجودة، وماعادت الاعلامولوجيا قادرة على إخفاء حقائق الصورة، ولا حتى تشويهها تحت يافطات التكنولوجيا المضادة. الجنون السياسي هو ما يعصف اليوم في المنطقة، وجنون الحرب أعادنا الى سلطة الجماعات والمركزيات، وأفقد هوية الدولة أي توصيف وجودي، فهي تحولت أيضا الى (دولة) جماعات ومركزيات عصابية، في الوقت الذي باتت فيه الحداثة في الغرب خيارا عاقلا جدا، على مستوى بناء الدولة المؤسسية والحقوقية، وعلى مستوى تكريس قيم المواطنة، وإدماج الجماعات داخل أنساقها العلنية، وهذا بطبيعة الحال سيضعنا أمام الحاجة الى قراءة (نص العقل) بوصفه القوة الأخلاقية المانعة للانهيار، وبوصفه الرهان الحقيقي على حمايتنا من أعراض الجنون.

