Feature

باسل محمد 
المشكلة في قطار السلام السوري الذي انطلق في جنيف برعاية الأمم المتحدة ودعم القوى الكبرى الرئيسة أنه سيتوقف في محطات كثيرة وربما ينتظر طويلاً في بعض هذه المحطات بعد ان تعثرت رحلته في جنيف3 كما جرى في جنيف1 و2 ثم يتوقف القطار قبل أن يصل الى محطته النهائية وهي ابرام تسوية شاملة في هذا البلد العربي الذي مزقته الحرب الأهلية ونشأ فيه أخطر تنظيم ارهابي.
بنظرة واقعية، السلام في سوريا لا يقتصر على التسوية بين السوريين أنفسهم وبينهم نظام الرئيس بشار الأسد، فهناك تسويات أو تفاهمات يجب ابرامها بين القوى الدولية والاقليمية وهي التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة وروسيا وايران وتركيا والمملكة السعودية قبل أن نتحدث عن سلام يحققه السوريون.
بصراحة، ليس من السهل، أن يتوافق الأميركيون والروس أو يتوافق الايرانيون والسعوديون، كما أنه من المستحيل أن يقبل الأسد بدور مهم للفصائل المعارضة التي قاتلته لسنوات وهذه الفصائل بدورها لن تقبل باستمرار دور الأسد في الحياة السياسية السورية في المستقبل المنظور أي ما بعد التسوية السياسية ولن ترضى بأن يسمح له بترشيح نفسه الى انتخابات رئاسية جديدة.في التفاصيل، أي تصور سياسي لتسوية في سوريا يطرح العديد من الفرضيات والسيناريوهات مثل أن تقبل الولايات المتحدة بوجود الأسد في المرحلة الانتقالية وإمكانية ترشحه في الانتخابات الرئاسية السورية لكي يقرر مصيره الناخبون السوريون بإشراف دولي بالطبع وهذا يتطلب أن تقنع واشنطن تركيا ودول الخليج العربي التي تريد رحيل الأسد على الفور أو بعد فترة وجيزة من اتفاق التسوية بهذا الخيار، كما أنه من فرضيات الحل أن يقبل الروس برحيل الأسد بعد فترة محددة من المرحلة السياسية الانتقالية، أي بعد القضاء على داعش وهذا معناه أن موسكو عليها أن تقدم ضمانات قوية لتنفيذ رحيل الأسد بعد هزيمة الارهاب وعليها أن تقنع ايران بهذا الخيار وتقنع الأسد نفسه.
بدقة، تركيا والسعودية ودول الخليج العربي، ستشترط لمحاربة داعش والقضاء عليه أن تحصل على تسوية سياسية واضحة المواعيد بشأن رحيل الأسد، غير أن روسيا وايران تريدان فصل الملفين عن بعضهما، أي أن محاربة داعش ليست مرهونة بمصير الأسد ورحيله وربما تتمسك الدولتان بفكرة أن رحيل الأسد تقرره الانتخابات الرئاسية السورية التي هي اصلاً ستكون موضع خلاف حول خريطة الناخبين السوريين وهل يحق للسوريين الذين هجروا الى دول العالم ان يصوتوا وفي أي ظروف تتم عمليات الاقتراع داخل سوريا وخارجها وآلياتها ومتطلباتها وضماناتها على الأرض. من الناحية المبدئية، خيارات روسيا وايران حول تسوية في سوريا لن تتعدى خيارين: اما اقامة نظام حكم معدل بقيادة الأسد، أي السماح بدور بارز للمعارضة في ادارة البلاد ولكن تحت أمرة الأسد أو اقامة صيغة حكم جديدة في دمشق يقودها فريق من النظام يؤمن باستمرار نفوذ الدولتين في سوريا.
ستراتيجياً، تركيا ودول الخليج العربي لن تقبل بدعم الحرب على داعش في سوريا والتخلص منه في ظل وجود ارادة روسية ايرانية لبقاء الأسد.. وبدورهما فان روسيا وايران لن تقبلا برحيل الأسد وقيام نظام حكم جديد في دمشق لأن ذلك معناه انتهاء نفوذهما في سوريا.أيضاً، الولايات المتحدة والغرب لن يقبلا باستمرار حكم الأسد ولن يقبلا بأن يدمرا داعش في سوريا لتقوية حكم الأسد وتقوية مكانة ونفوذ روسيا وايران، لا سيما أن التحالف الدولي له حلفاء من الفصائل السورية المعارضة ويسعى لكي تصل الى قيادة الحياة السياسية في سوريا وتغيير قطبية هذا البلد العربي من القطب الروسي الى قطب آخر.
الخشية هي أن كل طرف دولي واقليمي ربما يفكر بكسب المزيد من الوقت من وراء انطلاق قطار السلام السوري، فروسيا وايران تريدان تقدم قوات الأسد في المناطق التي تسيطر عليها فصائل المعارضة السورية لكي يتبقى داعش في ساحة المواجهة لوحده، أي بقاء الارهاب في مواجهة الأسد وهي معادلة مناسبة لأنها تبقي الأسد في السلطة، أما دول التحالف الدولي وبينها تركيا والسعودية ودول الخليج، فهي تدرك بأن الوقت الذي سيحتاجه قطار السلام السوري مهم ولذلك يحاولون استثماره في اقامة تواجد عسكري بري للتحالف وهذا ما فعله الأميركيون بالضبط في مناطق شمال سوريا الواقعة تحت سيطرة قوات كردية وهذا ما اقترحه السعوديون والأتراك أي نشر قوات برية من التحالف الدولي بذريعة محاربة داعش في سوريا.
بحسابات سياسية، محاربة داعش قد تتحول الى عنوان لتواجد بري لجميع الأطراف الدولية والاقليمية في سوريا أي أن يتواجد الايرانيون والروس أكثر داخل سوريا ويتواجد الاميركيون والسعوديون والأتراك أكثر كذلك وهذه المحصلة معناها ببساطة تقسيم سوريا أو التوصل الى تسوية سياسية تشرع تقسيم سوريا دون أن يعني التقسيم انتهاء داعش أو انتهاء الحرب في هذا البلد العربي.

التعليقات معطلة