Pdf copy 1

فاروق يوسف 
كم أصاب ذلك الشاعر حين تخيل نفسه عصفورا؟
أخبرني أحد الشعراء وقد كان لاجئا في هولندا، أنه طلب منه أن يجلس على شجرة ويقرأ الشعر للجمهور، فشعر يومها وكأنه عصفور.
ربما كان صاحبي يكذب تعبيرا عن غبطته باللجوء الذي هو بالنسبة له مناسبة للاختلاف، غير أن شعوره بالتماهي مع العصفور الذي يقيم في داخله، أعادني إلى فكرة طالما راودتني تتعلق بإمكانية التحليق عن طريق الشعر، وهي فكرة تغري الشاعر بالانزلاق إلى المناطق التي تقع تحت قشرة الكلام ليلتقي هناك بالمفردات، كما لو أنها كائنات، يبحث بعضها عن البعض الآخر، ليصدم بقدرته على أن يقيم دائما في مكان آخر بحثا عن حياة أخرى.
إن ما يهتم الشاعر به من اللغة هو حياتها الداخلية، أما معانيها فإنها تظل رهينة بالإيقاعات التي تصدر عنها، هنا بالضبط تقع ضالة الشعر، باعتباره مصدرا للتهويم والإلهام والسفر إلى ما وراء الأشياء والعواطف والأفكار المباشرة.
لغة الشعر هي الممكن المرئي الوحيد منه، غير أنه الممكن الذي لا يعيش على السطح دائما، حتى وإن كان ذلك السطح ورقة في كتاب، فما نراه من الشعر هو صورته المكتوبة، أما الشعر نفسه فإنه يقع في مكان آخر، مكان يستشعر المرء وجوده من غير أن يعثر على الطريق التي تؤدي إليه.
وحده الشاعر الحقيقي مَن يمكنه ولوج تلك الطريق ،وقطف ثمار أشجارها والتحليق في فضائها مثل عصفور، وهو ما فعله صاحبي حين نط إلى شجرة وصار يقرأ الشعر على جمهور قد لا يراه، وهو ما يفعله العصفور تماما حين يخاطب عن طريق الزقزقة عوائل من العصافير، لا تزال تقيم في الجانب الآخر من اللغة، ذلك الجانب الذي لم تغره الزقزقة بالظهور.
يظل شيء مما يقوله الشعراء عصيا على الفهم حتى وإن فهمت معانيه، فهو أشبه بالزقزقة التي يتمتع المرء بسماعها من غير أن يشغله البحث عن معانيها، كم أصاب ذلك الشاعر حين تخيل نفسه عصفورا؟.

التعليقات معطلة