عادل العامل
يُعد التهرب من دفع الضرائب المحددة بالقانون على الأفراد، والشركات، والمؤسسات الأخرى، من بين الجرائم الاقتصادية التي تنخر في اقتصاد الدولة، وتهدم كيانها تدريجياً بالتالي. وقد يكون هذا التهرب أقبح هذه الجرائم وأضرها بالاقتصاد الوطني، لأنه ينطوي على مبالغ طائلة مفتوحة تظل في جيوب المتهربين بدلاً من أن تذهب للخزينة العامة، ولأنه احتيال أو تلاعب على القانون وضحك على الذقون من خلال الأساليب الكاذبة التي يتخذها هذا التهرب، كتسجيلها باعتبارها رؤوس أموال لشركات وهمية، أو إدخالها في حسابات غير أصحابها الحقيقيين، أو معالجتها في عمليات غسيل أموال، أو حتى استخدامها لأغراض شيطانية كالإرهاب، والدعارة العالمية، والمخدرات.
ويمكن إدراك فداحة هذه الجريمة بالذات ومقدار ضررها بالاقتصاد الوطني، والمصلحة العامة، ومخالفتها الفاضحة للقانون، من خلال ما كشفت عنه التسريبات الأخيرة المتعلقة بتهريب الأموال تهرباً من الضرائب، والتي طالت الكثير من الشخصيات العامة في مختلف أنحاء العالم، ومنها رؤساء دول وحكومات، ونجوم «لامعة» في مجالات الفن والرياضة والسياسة وغيرها، وهو ما أكد صحته الاتحاد الدولي للمحققين الصحفيين. ويطرح ذلك كله تساؤلاً مشروعاً عن مدى نظافة سلوكيات هؤلاء في أمور أخرى، منها ممارساتهم لمسؤولياتهم العامة. ذلك أن رئيس الدولة أو الحكومة، أو المصرفي، أو الفنان، أو الرياضي، أو العسكري الكبير، أو الخفير، الذي يتحايل على القانون كي لا يدفع ما على أمواله من ضرائب لدولته، يمكن له القيام بأي شيء للتستر على جريمته هذه، أو القيام بأية جريمة أو مخالفة أخرى، خاصة إذا تعلق الأمر بملايين أو مليارات الدولارات، وليس بمئة دولار قد يذهب سارقها «في ستين داهية» في ظل حكم هذا الرئيس أو ذاك السياسي سارق المليارات!.وقد «أعجبتني»، بصراحة، في حينه، وقاحة رئيس شركة المحاماة البنمية التي طالتها عملية التسريب هذه، رامون فونسيكا مورا، في قوله عن ذلك التسريب: إن «هذه جريمة، هــذه جــنــايــة تستهدف بنما .. الـخـصـوصـيـة حـق أسـاسـي مـن حقوق الإنـسـان، تتآكل أكثر فأكثر في عالمنا الـيـوم، كل شخص لديه الحق في الخصوصية سواء أكان ملكا أم متسولا»!.فهذا التصريح يعبّر بصدق عن عدم حياء المدافعين عن التورط في مثل هذه الجرائم المالية، ووطنيتهم الكاذبة، ومدى استعدادهم للاحتيال بأية طريقة كانت، ومنها الاستشهاد بمقولات سليمة للتغطية على أفعال مشينة، أي أنها كلمات حق يراد بها باطل، بتعبير آخر. فالخصوصية التي يتذرع بها هذا الحكيم القانوني الفطحل، ولا يريد لأحد أن ينتهكها، مع إقراره بصحة التسريبات الآنفة الذكر، يمكن أن تُخفي في أحوال أخرى جريمة قتل، مثلاً، أو سرقة، أو تخريباً، أو خيانة عظمى.. وبالتالي، فإن احترام خصوصية كهذه سيدخل في باب التستر على الجرائم، وهو جريمة في حد ذاته يعاقب عليها القانون. وهو، بطبيعة الحال، ليس قانون صاحبنا هذا أو الذين يدعو لاحترام خصوصيتهم غير المحترمة!.ولا يملك المرء، وهو «يُصدَم» بأسماء بعض هؤلاء، ومنها، ولا فخر، أسماء عراقية، إلا أن يردد، قول الشاعر:
(مَن حُلقت لحيةُ جارٍ له فليسكب الماءَ على لحيته)،
أي أن يتهيّأ لحلاقة لحيته والكشف عن وجهه الحقيقي الذي طالما أخفاه عن الناس وراء اللحى، والرتوش، والشعارات!. غير أن الأكثر إثارةً للشبهات وأعمقها بُعداً هذا الصمت الذي أعقب الفضيحة في العالم بعد ذاك الذهول، والزوبعة في فنجان البرلمان بشأن الحكومة، التي أثارتها لدينا في العراق، وما تزال «الرؤوس الكبيرة» من وراء الستار على النحو الذي يذكّرنا بالقول المأثور: يكاد المريب يقول خذوني!. ذلك أن القضية قضية مليارات لا حصر لها، وفضائح تزكم الأنوف، ورؤوسٍ قد أينعت.. وليس أي كلام من الكلام إيّاه!.

