ربما كان عالم الآثار الإيطالي (فيسكونتي Visconti) أول من اكتشف عام 1811 أن الرموز المنقوشة على النقود الإغريقية تعود في أصولها إلى حضارة وادي الرافدين، وأن الأسماء التي ظهرت على بعضها تشبه أسماء ملوك مملكة ميسان، الذين تفننوا في تطوير صناعة المسكوكات المعدنية، معتمدين بذلك على ثمار القفزات النوعية، التي حققها أبناء الرافدين في تقنيات السباكة، وفي علوم الأوزان والرياضيات، فكان نظامهم الحسابي (الستيني)، هو الأساس في رسم الملامح الأولى للسياسة النقدية القائمة على توحيد أوزان العملات المعدنية، حتى أن مفردة (وزن) والتي تقابلها مفردة (ثقل) باللغة العربية، تعود إلى الجذر (ث ق ل)، أو (ش ق ل) في اللغة الآرامية، وهي بالأكدية (شِقل) أو (سِقل)، ثم تحولت إلى (شيكل) بالعبرية، وبالتالي فإن (الشيكل) من الوحدات العراقية القديمة، التي تعبر عن وزن العملة وثقلها، وكانت (الشيكلات) الوزنية مستعملة على نطاق واسع في الألفية الثالثة قبل الميلاد، لكن المعادن الثمينة لا تُضبط بموازينها، وإنما بنوعها ونقاوتها، فتنبه العراقيون الذين كانوا يستخدمون أقراصاً معدنية دائرية ذات أوزان معلومة، واندفعوا لتطوير مهاراتهم، فشهدت تطوراً هائلاً على يد ملوك دولة (الحضر) في منطقة الجزيرة، حوالي (120) كم جنوب غرب الموصل، فكانت نقودهم صغيرة وجميلة. تحمل رأس الإله (شمس)، تحيط به هالة من الأشعة، بينما يحمل الوجه الآخر صورة النسر بأجنحته المفتوحة فوق الأغصان المورقة.
تجدر الإشارة أن أسماء الملوك العراقيين تعرضت للتشويه من قبل الباحثين، الذين نقلوها إلى العالم مكتوبة بصيغة يونانية، فمثلا (تيراليوس) كان أسماً لملك من مملكة ميسان، أسمه (طير الياس).
أما أقوى النقلات النوعية التي طرأت على صناعة المسكوكات، فقد حدثت في العصر العباسي، إذ تنوعت الدنانير والدراهم والفلوس الذهبية والفضية والنحاسية، تنوعاً مذهلاً من حيث الشكل العام والكتابات والأوزان، فانتشرت الدور المتخصصة بسك النقود في بغداد والكوفة والبصرة والموصل وواسط، وأصبحت المسكوكات العراقية هي الأكثر تداولا في شرق الأرض وغربها، وكان من الطبيعي أن تعثر الفرق التنقيبية على مسكوكات عراقية في تخوم الصين، وفي المرافئ الأوربية، وربما كان آخرها ما ذكرته الصحف الفنلندية عن عثور المنقبين على مجموعة من القطع النقدية المصنوعة في بغداد، وعثر فريق آخر على مسكوكات عباسية في جزيرة (فيسبي) السويدية. أما بخصوص المسميات فلا حدود لها، فالعملات التي حملت أسماء: الليرة، والبغدادي، والأشرفي، والفندقي، والجهادي، والعدلي، والقرش، والبارة، والمتليك، والقمري، والصاغ، وأم الفلسين، والحميدي، والنقشلي، وأبو طاقة، وأبو الثمانية، والسلطاني. كلها أسماء لمسكوكات نقدية عراقية أصيلة، ولا غبار عليها، لكنها أخذت طريقها نحو الآفاق البعيدة.
والحديث ذو شجون

