حاوره /عمراواره
حوار ساخن ومعمق أشعلنا من خلاله بخور الشعر وتطرقنا معه عن ماهية الشعر عند الشاعر والقاري في آن واحد … شاعر له أنامله المبدعة في توظيف الشعر وتقديمه للقارىْ بالشكل الأدبي،، أعلامي وجد نفسه بين الهموم والألم تارة وعبق الصراحة والكلمة تارة أخرى،، أنه الشاعر والإعلامي العراقي(أوس حسن)جريدة المستقبل العراقي تجول داخل هواجسه الأدبية ونتج منه هذا الحوار الساخن.
*كيف كان ظهور الشاعر ( أوس حسن) في الساحة الأدبية؟
– بداية أود أن أرحب بصحيفتكم الغراء وأشكرها من القلب على إتاحة هذه الفرصة المناسبة لي لإطلاق ما اختمر في داخلي من البوح الشفيف
لم يكن ظهوري على الساحة الأدبية ظهورا إعلامياً كما هو سائد الآن،فإنا لست سياسياً ولا نجم سينما،أنا من عائلة أدبية معروفة كان لها دور بارز في تأسيس إتحاد الكتاب والأدباء العراقيين،فجدي الشاعر الراحل كاظم السماوي كان معروفا بمواقفه الإنسانية النضالية التي طغت على حياته الأدبية وقدرته الشعرية،نشأت في بيت يقدس القراءة والمعرفة واحترام الإنسان ونصرة قضيته السامية في كل أنحاء العالم بغض النظر عن معتقده أو انتمائه الآيدولوجي،ساعدتني هذه التنشئة على إطلاق مواهبي وطاقاتي الداخلية،فكنت أنأى بعقلي دائماً عن تفاهات الحياة اليومية وأفكار المجتمع السائدة،كما أن العزلة الروحية والفكرية التي لازمتني في شبابي ومراهقتي كان لها الأثر الواضح على تجليات النفس وإزالة الغبار عن الكنز المخبوء في داخلي وهو حتما ً موجود عند كل إنسان.
* ما الذي يستفزك لكتابة النص الشعري؟.
– هذا سؤال جيد وذكي أتمنى من كل شاعر أن يسأل نفسه هذا السؤال قبل أن يُطرح عليه من أي شخص آخر.. كل حركة في الطبيعة تستفزني لكتابة الشعر إن كانت حركة في ذاتها أو حركة داخل الأشياء الساكنة..(سرب طيور مهاجرة يتوارى خلف التلال ساعة الغروب،طير وحيد تلاعبه الرياح في سماء رمادية غائمة ،ورقة صفراء على مقعد مهجور،لغة الأطفال وعالمهم الأخضر،قطرات المطر التي تسيل على زجاج نافذتك في ليلة شتائية عاصفة،الغرباء الوحيدون في زوايا المدينة،محاكاة العوالم الداخلية للنفس وما يحصل في داخلها من صراعات وتناقضات وتمرد وبحث عن معنى في رحلة الحياة الطويلة )…وأشياء أخرى كثيرة تستفزني لكتابة الشعر ..كلوحة فنية لفان كوخ مثلا أو قطعة موسيقية لبيتهوفن. وهناك شيء مهم لا بد أن أضيفه بالنسبة للشعر.على الشاعر أن يكون متوقد الذهن ..قوي الذاكرة، له قدرة على التركيز الداخلي ومحاكاة الصور والرموز المختبئة في العقل الباطن والتي تتجلى له في الأحلام والهذيانات المرتبطة بالجنس أو الموت.
* حدثنا عن مشاركاتك في المهرجانات؟
– مشاركتي في المهرجانات قليلة جدا،لكني شاركت في مهرجان الجواهري وكلاويز والعديد من الأمسيات الثقافية في النوادي والمقاهي،عزوفي عن المهرجانات فيه شيء من القدر الشعري المكتوب على تجربتي وفيه شيء ذاتي. فأنا دائما يراودني إحساس عميق ورهيب بأن الشعر والأضواء تسلخ الشاعر من كينونته وذاته وتجعله عبداً لمؤثرات خارجية قوية كالسلطة والمال والنساء،هنا يضيع المعنى والهدف الداخلي.
* لمن تكتب الشعر؟
– أكتب الشعر لكل ذرة في الكون تتوهج بالحياة والمحبة. هذا الوجود هو حكاية طويلة من الإبداع والتجليات الآلهية الغامضة. الشعر يحررني من الوعي اليومي الضيق ويجعلني أتواصل مع عوالم لامرئية أحس بها لكن لا أراها.
* بمن تأثرت من الشعراء.؟
– تأثري بالشعراء كان لغوياً ومعرفياً وليس في مجال التجربة والابتكار. عربياً تأثرت كثيرا بمحمود درويش وبدر شاكر السياب ونازك الملائكة وأمل دنقل وإيليا أبو ماضي وسعدي يوسف. وعالمياً..بودلير ..ت.س اليوت ..رامبو …لوركا ..بابلو نيرودا ..خوان رامون ..فلاديمير هولان ..مارك ستراند …الخ
* ما هو وقتك المفضل لكتابة الشعر.؟
– في الليل حيث الليل يمنحني السكينة والتأمل العميق والصفاء الذهني الذي احتاجه لاقتناص الفكرة وترجمتها على الورق .
*ماهو تقيمكم للشعر الذي يكتب الآن.؟
– على الرغم من أننا نعاني من انحطاط شعري وضمور حقيقي في المواهب،إلا أننا نلاحظ وجود أصوات شعرية جادة وحقيقية وتتمتع بموهبة نادرة وفرادة لم تألفها أجيال شعرية في العراق وخصوصاً في مرحلة الثمانينات والتسعينات. الوسط الثقافي في العراق ما زال يعاني من وطأة أسماء شعرية أفرزتها الأحزاب والماكينات الآيدولوجية،كان الشعر بالنسبة لهذه الأسماء مجرد بريستيج وبهرجة اعلامية ومكانة اجتماعية لا غير. الكثير من هؤلاء الشعراء أصبحوا مدراء لدور نشر كبرى أو وعاظ أخلاقيين مرتبطين بالسلطة،وقسم منهم انكشفت سرقاتهم الشعرية من نصوص أجنبية مترجمة أو نصوص قديمة كتبها زملاؤهم في نفس المرحلة.
* ما هي نصحيتك للشعراء الشباب الذين ظهروا في الآونة الأخيرة؟
– القراءة المستمرة والتأمل العميق الممزوج بالتجربة الحياتية،والابتعاد قدر الإمكان عن الأضواء والبهرجة الإعلامية الزائفة.فالشعر يجب أن يرتبط بتجربة الشاعر في الحياة ومعركته مع اللغة وهذه التجربة لن نقطف ثمارها الناضجة إلا بعد الأربعين.
*لماذا اخترت الشعر من دون الأدبيات الأخرى .؟
– أنا كتبت القصة القصيرة والنص المسرحي والنص الفتوح ومقال السيرة الذاتية
لكن وجدت إن موهبتي الحقيقية هي في الشعر رغم ميلي إلى كتابة الرواية،لكنني أرى أن الوقت لم يحن بعد؛لأنه مرتبط بخوضي لغمار الحياة والوقوف الحقيقي عند حافة الخطر. حاليا ً أنا أحاول قدر الإمكان أن تتماهى الفنون الإنسانية داخل قصيدتي فأظهر فيها الحركة والألوان والظلال والشخوص،والسرد المرتبط بالزمان والمكان أو قصيدة تأملية تخلو من الحركة لكنها تخترق اللاوعي دون الشعور بها.
* كلمة أخرى تود قولها؟
– ليس مؤكدا..أن الفكرة التي ترتدي أجسادنا الشفافة أزلية وخالدة
وما هو مؤكد حتما أن الصمت هو المهنة الوحيدة التي أتقنها في هذه الحياة..

