بهروز الجاف
المشاهدة الأكاديمية لمعركة تحرير الفلوجة تظهرها صياغة لمشروع عسكري رائد (Pilot Project) لاختبار قدرة القوات المسلحة العراقية على انجاز عمليات تحرير مدن كبيرة تراعي سلامة المدنيين والبنية التحتية، وبأقل الخسائر، ضمن سقف زمني محدود، كتحرير مدينة الموصل مثلا، وهي صياغة تنعكس ايجابا على الستراتيجية العسكرية العراقية وقابلية تعميمها في مشاريع نظيرة كبرى.
المشروع الرائد مشروع تمهيدي مصغر ينجز لتقدير الجدوى، والوقت، والكلفة، والمعوقات، وتقدير الحجم المؤثر، في محاولة للتنبؤ بحجم القدرات اللازمة لإنجاح المشروع الهدف، وهو المشروع الأكبر. اختلفت عملية تحرير الفلوجة عما جرى في كوباني وتكريت والرمادي وسنجار، وما جرى ويجري في حمص وحلب السوريتين، وما جرى سابقا في تحرير كروزني عاصمة الشيشان، من التنظيمات الارهابية، حيث جرى تغليب هدف تحرير الأرض على سلامة البنية التحتية، مع امتياز واضح للفلوجة في تأمين ناجح وانساني لنزوح الأهالي، كل ذلك كان بحد أدنى من الخسائر وبوقت عد قياسيا. لم يقل عدد المدنيين في الفلوجة عن (92) ألف نسمة، وهو عدد أرادت «داعش» أسره، أو تجنيده، أو استخدامه درعا بشريا، فيما عدهم الجيش العراقي أسرى في يد «داعش» ووعد بتحريرهم سالمين. عمد «داعش» الى التفخيخ كستراتيجية له؛ تفخيخ الأشخاص والآليات والمباني والطرقات كأسلوب وقائي وهجومي، علاوة على قدرته على قتال الشوارع والقنص، لذلك فان انجاز تحرير الفلوجة، بشكل نظيف، يشي ببناء قوات مسلحة عراقية حديثة ومحترفة تستنبط وتطبق مشاريع نموذجية قابلة للتعميم. كان لانفتاح القطعات المختلفة، وتوكيلها الواجبات، رسم دقيق لواجباتها المستقبلية في البلاد، فقد وضح دور قوات الشرطة الاتحادية، وجهاز مكافحة الارهاب، والجيش، والقوات الساندة من الحشدين الشعبي والعشائري، بشكل جلي مع ما رافقت المعركة من معالجة دقيقة للتعقيدات السياسية والإعلامية.
ومن خلال تقييم أولي لتوزيع القطعات على الأرض، والسلاح الجوي، والدعاية المرافقة المنفتحة والصريحة، والجهد الاستخباري، وتوظيف الخيارات الآنية كالتعامل مع الأنفاق تحت الأرض، بدت المعركة ناجحة عسكريا، وانسانيا، واعلاميا، وحجمت الى حد كبير أصوات معارضيها ومنتقديها. مما لا شك فيه فقد اقتضى نجاح العملية كلفة كبيرة تطلبتها عمليات التسليح والتجهيز والاسناد اللوجستي وتأمين المساعدات والامدادات الانسانية للنازحين، وهو ما يجب أخذه بالحسبان، بدقة، مستقبلا، وخصوصا في عملية تحرير مدينة الموصل، ولربما كان تأمين الكلفة يسيرا بعد هذه العملية في ضوء الثقة التي اكتسبتها القوات المسلحة العراقية من جانب قوات التحالف الدولي، المناهضة لـ”داعش”، بما يحثها على تقديم العون المادي والمعنوي للقوات العراقية في معارك لاحقة، إلا ان التحدي الذي لا يمكن اختباره في الفترة بين تحرير الفلوجة والموصل، والتي تبدو قصيرة، يكمن في القدرة على الامساك بالمناطق المحررة، واعادة بناء ما خرب منها، وكذلك اعادة تأهيل الأهالي ممن رزحوا تحت السطوة الداعشية، وخصوصا الأطفال والشباب منهم، وهو ما يحتاج الى برامج توعوية لغرض توفير الدعم والإرشاد الملائمين بما يجعلهم ينسون ما تعرضوا له من محاولات غرز لسلوكيات هدامة في نفوسهم. ولأن الأضرار الناجمة عن بقاء مدينة الموصل تحت الاحتلال أكبر مما تتطلبه عمليات التحرير والتأمين، فمن الواجب تأمين الكلفة والقدرة على مواجهة هذه التحديات قبل الشروع بتحرير الموصل مع الأخذ بنظر الاعتبار ضخامة هذه التحديات بعد تحرير الموصل.تؤشر معركة تحرير الفلوجة لبناء قوات مسلحة عراقية تعمل بحرفية عالية تستوعب كل التعقيدات، وتصل الى غايتها دون أضرار معنوية، وهو ما يؤشر بدوره لقدرة على حفظ الأمن مستقبلا بما يساهم في ترسيخ الانتماء الوطني، مع فرصة لعراق موحد مستقر ترى جميع الفئات فيه وجودها ومستقبلها. وفي ضوء نجاح مشروع تحرير الفلوجة الرائد، تتأكد ضرورة اللجوء الى المنهج العلمي لغرض انجاز عملية عسكرية نظيفة تحرر مدينة الموصل بساكنيها، في وقت قصير، وبأقل الخسائر البشرية، والمادية، مع الأخذ بنظر الاعتبار تأمين الكلفة المطلوبة وتأمين واستقرار المدن المحررة واعادة تأهيل أهلها، فاذا ما تحررت الموصل باعتماد اسلوب تحرير الفلوجة، أو الشكل المطور منه، فان ذلك يزيد من قوة فرضية اعتماد نفس الأسلوب في مواقع أخرى تحتلها «داعش» أو ربما أضحى ستراتيجية جديدة تنتهجها جيوش أخرى في حالات مشابهة.

