Pdf copy 1

علي شايع
تستنفر الأوساط الغربية أحياناً لقضية رشوة، أو حدث بمضمونها؛ ربما يبدو بسيطاً وعابراً وفق القياسات (الجنائية) الشرقية، لكنه يعتبر خطباً جللاً في معاييرهم وحساباتهم الدستورية الدقيقة.
قبل أربعة أيام حكمت محكمة هولندية على عضو مجلس محلي سابق في قضية رشوة، بعقوبة العمل في الأشغال البلدية؛ خدمةً للمجتمع، كجزء من عقوبات قانونية تفرض ساعات عمل تشمل المشاركة في أعمال التنظيف وجميع الخدمات المتعلقة بالشارع. وقضت المحكمة بـ 240 ساعة عمل إجباري بدلاً من عقوبة السجن.
في السنة الماضية تداول عدد من نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» و»تويتر» صورة لرئيس وزراء إيطاليا السابق (سيلفيو برلسكوني) مرتدياً بزّة السجن وهو ينظف شارعاً في العاصمة روما.
وقيل أن المسؤول الإيطالي تلقى عقوبة اجتماعية تفرض عليه أعمال التنظيف لسنة كاملة، بسبب تهرب ضريبي وتهم ثابتة بتورط في فساد مالي وإداري أثناء خدمته كرئيس للوزراء. 
وهذه العقوبات المدنية لا يراد منها التشهير أو التعنيف خارج سياق المنصوص عليه قانونياً، ولا تنطوي على أي فعل انتقامي أو إجراءات سياسية، بل تتم بصياغات قانونية تنطبق مجرياتها على أي موظف ارتكب مخالفات توجب المحاسبة، بغض النظر عن مكانه ومكانته.
تلك العقوبات بوصفها نظاماً اجتماعياً، ستراعي – بالضرورة – أقصى درجة حق الإنسان. وإذا كان الإيلام جوهر العقوبة، فالقانون يحدّد المستوى الفاعل للعقوبات وفق ضمان حق هذا الإٌنسان وعدم تجاوز شروطه.
للسلطات التنفيذية قدرة إكراه من يقع عليه الحكم لتنفيذ العقوبة، باعتبار صدورها يمثل رغبة مجتمعية؛ مجمع عليها في القانون، ومسند تطبيقها لجهات تمثل سلطة تنفيذية تنوب عن المجتمع بأسره.
في تنفيذ تلك العقوبات لا يقصد التنكيل، ولا يتخذ من آليات التنفيذ وتفاصيلها غرضاً يمس حقّ المعاقب، حتى إن الإعلام لا يأتي بما ينافي العرف في بحث القضية، وبذا تصبح العملية بمجملها مسألة تطبيق نص قانوني في قضية مستحقّة، لا يمكن معها استبدال الحكم بعقوبة أخرى؛ مثل فرض غرامة أو غيرها، فلكل قضية منطوق حكم خاص.
في كل يوم يجوب الشوارع من تنفذ فيهم بعض الأحكام الخاصة بالخدمة المجتمعية، وبالتأكيد لا يشار إلى أي من المدانين بأية صفة تعريفية، فالجميع سواسية طيلة فترة العقوبة، وربما لا تصاحب المحكومين شرطة أو رقباء. فمن سينفذ العقوبة تلقى شرحاً وافياً لما سيقوم به من عمل، وسينفذه طواعية، لأن عقوبة أخرى تلحقه في حال لو تلكأ أو أظهر تقصيراً بيناً، وهو يعلم مسبقاً أن من أمر بالمهمة يتملك كلّ وسائل الرقابة لمتابعته.
 الحديث عن هذه القضايا ليس ترفاً كتابياً ولا تثقيفاً سياحياً! عن تلك البلدان، لأن أهل تلكم الأرض رسخوا في العدالة الاجتماعية المؤكدة ولن يحتاجوا إلى ما يشيد بأمجادهم. ولحظة نستعرض لتلك الأخبار تمرّ في حساباتنا ما لا يحصى من فواجع عطّلت آمال الملايين..فواجع متواصلة تطول الصفحات ويَغرق بمدادها من يريد البحث والاستزادة، ولو أردنا تنفيذ ما يشابهها لأصبحت شوارعنا أنظف طرق الأرض قاطبة.

التعليقات معطلة