Feature

علي شايع
إن ما يربطنا كعراقيين بأهل البحرين أبعد صلة من أي وصف ربما ينعت جزافاً بـ (الطائفي) أو يربط بالامتداد الديني، ولا يمكن أن تفسر تلك المحبة العميقة، وهذا الانتماء الحصيف إلا بقراءة تاريخية واعية، ستكشف بعمق أن أرض البحرين كانت ولسنوات (سومرية) طويلة حلماً وفردوساً لأهل بلاد الرافدين. وحفلت الحضارة السومرية بالوصف والمدائح لأرض كانت مرجعاً روحياً للأحياء والأموات، حتى ذكرت مصادر تاريخية أن قسماً من أهل العراق القديم جاؤوا من تلك الأرض، ليستقروا لاحقاً في أور ومحيطها، بينما بقوا يرسلون موتاهم ليدفنوا فيها طمعاً بشفاعة أمل ظلّ راسخاً مع تقلب الحضارات في الأزمان. ارتباطنا التاريخي ومساره الجغرافي تحدثت عنه أبحاث تاريخية لمختصين أنجزوا دراسات مهمة، ولعلّ المستكشف النرويجي ثيور هيردال أهم من وثّق لتلك البحوث ووضعها في طور التجريب الحديث يوم صنع سفينته الشهيرة من القصب لينطلق من أهوار الجنوب العراقي في رحلة بحرية وصل خلالها أهل سومر صوب بلدان بعيدة، مروراً بأرض «دلمون» الجنة في البحرين.
قبل أيام وبصورة تعمق في النفس تلك الصلة الحميمية بين أهل البحرين والعراق، سمعت مجموعة أناشيد تنتصر لبطولات الجيش العراقي والحشد الشعبي بصوت المنشد البحريني جعفر القشعمي، وهي من كلمات مبدع آخر هو الشاعر عارف الجشعمي، وكنت أعرفه قبل هذا الوقت عن قرب، في سابق التواصل الاجتماعي، حيث كانت تضمنا مجموعة ثقافية تعنى بالأدب والفن، وأدرك بعمق محبته للعراق وبما يستحق العرفان. كلمات الأناشيد التي سمعتها عمّقت في نفسي أوصاف جنة (دلمون) السومرية، وأيقنت سعي (كلكامش) الباحث عن عشبة الخلود، إذ قيل إنه توجه فيما توجّه صوب أرض البحرين.
قبل سنوات كتبت عن هذا الموضوع وتعرضت لهجمة (خليجية) غريبة، حتى إن إعلامياً من دولة الكويت استكثر عليّ هذا الانتماء الإنساني، رابطاً الموضوع في بعد طائفي – كاعتياد من هو طائفي في الأصل – مسهباً في حديث قومي، كاد أن يتباكى فيه على زمن البعث، فقلت له إن المسألة لا تدور في سياق تأصيل قومي ولا حنين جغرافي؛ ذلك الحنين الدموي المرعب الذي توهمه – في غزو همجي – طاغية مدان بمحاولة عودة (الفرع إلى الأصل). إنه حنين إنساني لمجموعة بشرية تتعرض إلى القمع المتواصل، ويرتكب بحق أهلها جرائم يومية، وسط صمت مريب، ترتفع بمواجهتها أحياناً بعض الأصوات المحتجة في بلدان عديدة من العالم، على الرغم من محاولات أموال (البترودولار) لإسكاتها، ولكن المتابع للقضية البحرينية سيجد أن عمق المظلومية حفّز حتى البرلمان الأوروبي ومنظمة العفو الدولية لفتح ملفات ثابتة، تتابع السجل الإجرامي للانتهاكات الفجائعية في تلك البلد، فها ها هو البرلمان الأوروبي والمنظمة الدولية يرفعان مذكرة استنكار قبل أيام للمطالبة بإخراج سجناء الرأي والإفراج عن جميع المعتقلين، ودعوة السلطات لإيقاف جميع الإجراءات القمعية بحق المحتجين. صديق ناشط في البحرين أخبرني أن الكثير من المعتقلين اعتقلوا بسبب دفاعهم عن العراق؛ لأنهم خرجوا في تظاهرات تندّد بتعامل بعض الدول مع الملف العراقي، وتستنكر تغاضيها عن الإرهابيين الخارجين منها.

التعليقات معطلة