Pdf copy 1

علي حسن الفواز
يبدو أنّ دخول الولايات المتحدة على خط الأزمة اليمنية سيكون باعثاً على تعقيد الأزمة، أو لاخضاعها للقراءة الامريكية وحساباتها ومصالحها، وربما لإنقاذ السعودية من المأزق الذي تورطت به، فالزيارة الأخيرة لوزير الخارجية الاميركية جون كيري الى السعودية ولقاؤه مع عدد من المسؤولين الخليجيين كشفت عن هذا الهاجس، وعرّت بالمقابل الأخطار التي باتت تشكّلها هذه الأزمة على المنطقة، وعلى مواقف الولايات المتحدة بمعاييرها المزدوجة.
خطة كيري الجديدة لحلِّ الأزمة اليمنية قد لاتكون جديدة، فهي تعيد انتاج التصورات السعودية عن الحلِّ، وتُفضي الى اتهام (أنصار الله والجماعات الداعمة لها) بمسؤوليتهم عمّا يحدث في اليمن، لكنها تحمل معها هاجساً أميركياً من خطورة تفاقم الأحداث وتعقدها، وهذا سيكون بطبيعة الحال خلاف للحقيقة والمنطق، فهذه الجماعات لا تملك طائرات ولا بارجات ولا أسلحة ستراتيجية، وأنّ ما يجري على الأرض هو عدوان خارجي بدعمٍ امريكي تقوم به السعودية وحلفاؤها ومرتزقتها، وأنّ إستمراره سيسبب حرجاً للولايات المتحدة، ولطبيعة الملفات المتورطة فيها في المنطقة.فبعد مرور أكثر من سنة ونصف على هذا العدوان دونما حسمٍ، تأتي المبادرة الاميركية والتي تسعى إلى معالجة المسارات السياسية والعسكرية في آنٍ واحد، والتي تقوم على إقامة حكومة وحدة، مقابل تسليم سلاح انصار الله إلى جهة ثالثة، مازالت مجهولة المصدر، والابقاء على التوصيف السياسي للحالة اليمنية رغم ماجرى من قتل وتدمير، وبعيدا عن تحميل السعودية والتحالف العربي أية مسؤولية عن كل الجرائم التي حدثت، وعن التدمير الشامل للبنى التحتية في المدن اليمنية.
أميركا وحلول الانقاذ
ما طرحه كيري من خطة عمل، والإصرار على أنْ تنتهي هذه الحرب في أسرع وقت ممكن يضع علامات استفهام حول ما يجري، فهل كانت هذه الخطة بدعوة سعودية لإنقاذها؟ أم بسبب الضغوط الدولية على الولايات المتحدة، أم لأغراضٍ تتعلق بالانتخابات الأمريكية؟ 
إزاء هذه التساؤلات، بدت الأمور وكأنها خارج السيطرة، فرغم كل هذا التدمير إلا أن حقائق الأرض بالتوصيف السَوقي العسكري ظلت دون تغيير واقعي، فضلا عن التداعيات الخطيرة التي انعكست على الداخل السعودي بسبب فشلها في المواجهة، وبسبب التكلفة الكبيرة التي أخذت تُنهك الاقتصاد السعودي، فضلاً عن انعكاستها على الولايات المتحدة ذاتها بسبب دعمها للسعودية، وتزويدها الدائم لها بالأسلحة المُحرّمة دولياً. غياب الرؤية الواضحة هو ما بدا واضحا خلال الزيارة، وخلال الخطة التي طرحها، وهذا مايجعل اليمنيون أمام  رهانات صعبة، لاسيما بعد فشل مفاوضات الكويت، وضعف أداء المندوب الاممي اسماعيل ولد الشيخ في التعاطي المهني مع الأزمة، والذي أعلن بعد هذه الزيارة عن مشاورات فورية سيقوم بها مع أطراف النزاع اليمني. 
إنّ تغيير الجغرافيا العسكرية في اليمن هو ما تريده الولايات والحلف السعودي، لأنّ العدوان وبعد مرور زمن طويل لم يفلح في تغيير المعادلة العسكرية، ولا حتى إجبار أنصار الله وجماعاتهم على الانسحاب، لذا بات التدخل الاميركي نوعا من الضغط، أو التهديد، وبقطع النظر عن طبيعة هذه الخطة وعن ضماناتها فإن الوقائع تؤكد أهمية الحاجة الى (تنازلات) متبادلة، والى أن تتخلص السعودية من غرورها، والولايات المتحدة من نظرتها المُنحازة لكي تكون هناك حلول منطقية وموضوعية يقبلها الجميع، وأنّ مفهوم التسوية الشاملة ينبغي أنْ يأتي عبر مصاديق تسندها الوقائع، ويحميها طرف دولي، كأنْ يكون روسيا، وبعيدة عن فرض حلول تمسّ معطيات سياسية تحققت على الأرض خلال سنة ونصف، ومن  بينها تحديد الأطراف المسؤولة عن ما جرى، لاسيما وأن الأمم المتحدة قد شكّلت وفداً لتقصي الحقائق عن الأضرار التي تعرضت لها البنى التحتية في اليمن، وكذلك الاستخدام الفائق للقوة ضد المؤسسات المدنية اليمنية.
وحتى الاتهام الدائم لإيران بأنها تزوّد الجماعات بالأسلحة والصواريخ هو بعيد عن الحقيقة، لأنّ الجميع يعرف أن اليمن محاصرة برا وجوا، وأن وصول مثل هذه الأسلحة سيكون صعبا ومستحيلا، فضلا عن البعد السياسي لهذه الاتهامات، والذي تؤسس عليه الولايات المتحدة وحلفاؤها مواقف تزيد من غلواء الصراع السياسي في المنطقة.
إنّ الحديث عن (حلٍّ يحمي حقوق وسيادة السعودية) كما قال كيري ينبغي أنْ لا يكون على حساب الآخرين، وأنْ لا يتحول إلى شماعة لفرض الحروب والسياسات والمواقف، لذا ينبغي أنْ يكون حلِّ الموضوع اليمني حلّاً شاملاً، وأنْ يأخذ بعين الاعتبار المتغيرات السياسية، وحتى لا تبدو العودة الى الوراء وكأنها محاولة لرمي التراب على الضحايا الذي سقطوا خلال زمن العدوان، وهو مايبدو اضحا وجليا في خطة كيري القائمة على اساس (طمطمة) الأحداث، وقطع الطريق على أي تحقيق دولي حول الجرائم ضد الانسانية التي أرتكبت في اليمن. فشل الحل العسكري، والعجز من تحقيق نصر في الميدان دفع السعودية للاستعانة بالولايات المتحدة، هو الدافع وراء كل الذي يحدث، ولطبيعة الخطوة (الحارة) والاجتماع (الحار) الذي عقده كيري مع عدد من القادة الخليجيين، وأحسب أنّ هذه الخطوة رغم تعقيداتها، فهي تحمل معها متغيرا مهما على مستوى فكرة تشكيل حكومة وحدة، وعلى مستوى تسليم السلاح الى طرف ثالث، وعلى مستوى التزامن بين الانسحاب وتشكيل الحكومة وهي أمور قد تخضع للتفاوض ولتغيّرات قد تُضاف الى بنود الخطة، وبما يجعلها أكثر واقعية وقبولا.   

التعليقات معطلة