علي شايع
نسمع كثيراً أن الشعب الياباني من الشعوب الحيّة، وبالتأكيد للقائل أدلة وشواهد يحصيها دعماً لذلك الرأي، ولعلّ ممّا عزّز في نفسي هذا الرأي، ما طالعته قبل أيام من كلمات وردت بصيغة مقال للسفير الياباني في العراق السيد (فوميو إيواي) خصّ به أحد أعمدة صحيفة الصباح، وجاء استذكاراً لفاجعتين، وجد السفير رابطاً بينهما، حيث عنون كتابته: “الكرادة ومحنة كانتو”، وكانتو إقليم ياباني يضم العاصمة طوكيو، تعرض سنة 1923 لنكبة كبيرة بعد زلزال مدمر.
السفير الياباني وفي يوم ذكرى الزلزال، رأى أن يجدّد التعازي لذوي ضحايا تفجير الكرادة الإجرامي، ملمحاً إلى قواسم مشتركة بين واقعتين، وجد إنهما تشكلان مأساة إنسانية حقيقة، إضافة لوجود قاسم مشترك بنشوب حريق هائل، صار سبباً رئيساً لسقوط أعداد كبيرة من الضحايا في الحادثين الأليمين، يوم استعر «لهيب النيران» ليقتل 100 ألف إنسان وقت زلزال «كانتو»، ومسبباً استشهاد المئات من الشباب في مأساة الكرادة.
وبدقّة (يابانية) محكمة يبين الكاتب كيف إن الشعب الياباني وبتعاقب حكوماته، وضع درس «كانتو» نصب عينيه، ليجعل من العاصمة طوكيو ومحيطها الإقليمي -فضلاً عن جميع المدن اليابانية- أكثر مرونة وصموداً لامتصاص الزلازل ومواجهة الحرائق. وموضحاً الآلية التي اتخذتها الحكومة لإعادة الاعمار في ذلك الوقت ، وفق خطة امتدت لثمان سنوات وبمجمل كلفة قدرها 60 بالمئة من موازنة كلّ سنة، معتبراً أن ما مضى أسهم بوضع طوكيو في مكانتها العالمية اليوم.
ويبين السفير الياباني، بمودّة المتعاطف، أهمية الإفادة من ما حصل، لحظة تم استحداث أول تشريع ينظم معايير مقاومة الزلازل في اليابان. إضافة إلى بذل كل الجهود لـ«تطوير التقنيات الحديثة على مستوى تصميم المباني لتصبح أكثر مقاومة للزلازل، فضلاً عن استخدام مواد البناء غير القابلة للاحتراق”. مشيراً إلى ما أسهمت فيه «مأساة كانتو» من يقظة لتعديل القوانين والضوابط، وفرض شروط للبناء والتصاميم بأعلى المعايير الممكنة، والى ما أوجب استذكار تلك الفاجعة باتخاذ ذكرى حدوثها يوماً وطنياً للتدريب على الإسعافات وإخلاء المباني. ويختم السيد السفير مقاله برجاء أن تصبح مأساة الكرادة وما جرى فيها تجربة مماثلة لما حصل بعد زلزال «كانتو» لتغيّر المستقبل العراقي نحو الأفضل وبشكل واضح، وحتى تكون الحكومة مترجمة ذلك الدرس إلى اجراءات فعلية تمنع حصول مأساة مشابهة.
بالتأكيد، جهات محلية رسمية عديدة اطلعت على مقال السيد (فوميو إيواي) وسيكون لكلماته الوقع المفيد على بعضها، فالإشارات الواردة في المقال تذكّر بما اعترفت به أوساط محلية بحصول تقصير وخلل في الإجراءت الوقائية التي كان من الممكن أن تخفف من الكارثة، ولعلّ من الموجز المهم، القول أملاً: إن مأساة الكرادة يجب أن تكون حداً فاصلاً، يوجب على السلطات المحلية في العاصمة -وبقية المحافظات تباعاً- فرض إجراءات ووسائل وقائية كافية تمنع حدوث الكوارث، مثل نصب سلالم طوارئ في جميع البنايات، وتكثيف الرقابة الصارمة على أهمية التجهيز بمضخات للمطافي وغيرها.
شكراً للسيد السفير على حزنه النبيل ونصيحته الثمينة.

