سين براسويل
ربما يكون دونالد ترامب قد تفاخر أمام العالم، عندما قال في خطابه أمام (المؤتمر الوطني الجمهوري): «أنا الوحيد الذي يستطيع الإصلاح»، ولكن في العمق، هناك ما لا يعد من السياسيين الآخرين الذين يعتقدون الشيء نفسه عن أنفسهم.
ففي بعض النواحي، يمثل ملياردير مصاب بجنون العظمة؛ مثل ترامب؛ مجرد حالة أكثر تقدماً لأي شخص مفرط الثقة بالنفس، حيث يقوم بتجريد بنية تفكير الأنا الفاسد وسط تراشق 140 شخصية بالكلام النرجسي المنمق.
فيما يتعلق الأمر بالغرور، يرى الكاتب سي أس لويس ((C.S. Lewis أنه “خطيئة كبرى”؛ لأنه “يؤدي الى كل الشرور الأخرى”. وفي السياسة، حيث يمكن لنشوة السلطة أن تضخم حتى أقل عيوب الشخص ظهوراً، فإن الغرور غالباً ما يكون هو الخطيئة الأصلية، لكونه السمة الأكثر أهمية فردية والتي تزيد الرغبة بالطموحات السياسية وقد تتنبأ للشخص بزواله.
الوظيفة العامة ليست للشخص الخجول أو المتواضع، لا سيما في هذا العصر الحديث حيث الترشيح للانتخابات والسيل الذي لا نهاية له من المكالمات الهاتفية واللقاءات وجمع التبرعات التي تتطلب مستوى منهكا تقريبا من الحركة والعزيمة. ومثل هذا الطموح والسعي لأعلى منصب في البلاد واضح جدا بين مرشحي الرئاسة الأميركان، «فإذا كنت ساعيا للسلطة لنسف العالم فلديك الأنا الكبيرة جدا لكي تبدأ معها»، بحسب جون بيتني ( (John Pitney؛ أستاذ السياسة في كلية كليرمونت مكينا.
لنأخذ ثيودور روزفلت: رجل مفرط الحيوية ومهووس بالعمل والمغامرة، وقد ألف نحو 40 كتابا، وكتب رسائل كما لو كانت من نمط تويتر (أكثر من 150 ألف رسالة). وقد حول الرئيس روزفلت، ليس خلافا لترامب، غروره القوي الى ميزة شخصية لدرجة أصبحت أوسع من الحياة.
وهذا النوع من الاعتداد الشديد بالذات يمكن أن يتحول إلى ثقة غير منطقية في قدرات المرء عندما يتعرض لجاذبية السلطة؛ فيبدأ زعيم فخور بالاعتقاد بإمكانه تغيير العالم فعلا، وأنه يعلم ما هو الأفضل للآخرين، وأن القوانين والأعراف العادية لم تعد تنطبق على طموحاته التي رسمها بنفسه. فقد قال الزعيم الفارسي “أوتانا”: “إعط هذه السلطة لأفضل رجل على وجه الأرض، فإنها ستحركه نحو الأفكار غير المعتادة”، وجاءت هذه الحكمة في مدونات هيرودوتس عن الحكم المطلق خلال القرن الخامس قبل الميلاد.
ومع ذلك، فإن الغطرسة السياسية الحقيقية هي أكثر من مجرد ثمرة من الطموح أو المخاطر المهنية التي يمكن أن تفاقم النرجسية الموجودة لدى السياسي، فالتعرض المتكرر لفايروس السلطة، بما في ذلك «الأفكار غير المعتادة،» قد يغير جذريا كيمياء الدماغ لدى الزعيم. ويصبح ما يسمى بمتلازمة الغطرسة هو «التغيير المكتسب في الشخصية المرتبطة بممارسة السلطة»، بحسب وصف اللورد ديفيد أوين، مؤلف كتاب «في المرض وفي السلطة». من خلال عمله كعضو في مجلس اللوردات ووزير الخارجية البريطاني السابق والذي تلقى تدريبا في علم الأعصاب والطب النفسي، يحتل أوين موقعا يخوله القول- هو والطبيب النفسي في جامعة ديوك جوناثان ديفيدسون عبر تصريحه في مجلة «المخ» الطبية- يعد «سلوك الغطرسة المفرطة متلازمة طبية، يمثل مجموعة من المميزات (الأعراض) التي يستفزها عامل معين (السلطة)، وعادة ما تخف هذه الأعراض عندما تتلاشى السلطة. ويقول أوين أن الطاقة المنتجة، والعزلة، والضغط، وقلة النوم، ومتلازمة الغطرسة، هو التصنيف المفضل كصفات للشخصية، وينبغي عدم الخلط بينها وبين اضطرابات نفسية أخرى يتميز فيها الشعور بالعظمة التي يعاني منها قادة مثل روزفلت، الذي كان من المرجح ثنائي القطبية. وقد يكون أفضل الأمثلة الحديثة هو الرئيس السابق جورج بوش الابن، أو رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، وكانا زعيميين «طبيعيين نفسيا» وقد جرفتهما ظروف استثنائية للمشاركة في كل شيء مبهرج من نوع «المهمة أنجزت» المثيرة للغزوات غير الحكيمة والتخطيط الاستراتيجي. وكما لاحظ أحد المسؤولين الأميركان بلير آنذاك: «لقد رش الكثير من الأدرينالين على طعامه». أو كما وصفه الكوميدي ويل فيريل بأنه «اندفع كاملا في لعبة رحلة ’مرحبا بك في أميركا‘، فيما كان بوش أسفل الطريق السريع للمنطقة الخطرة يلهو بخوذته.»
إذا كنت تقضي بعض الوقت داخل أروقة السلطة في واشنطن العاصمة، فستجد من الطبيعي، أن الكثير من الناس على استعداد لرش الكثير من الأدرينالين، على طعامك، فواشنطن متعلقة بالأنا بحجم تعلق ولاية أيوا بنبات الذرة، كما يقول بيتني ذات مرة في مجلة «العقل»، فالمكان الغزير بالأسمدة يحقق نموا مذهلا. فكل فرد من شأنه ان يكون سياسيا متغطرسا، سواء كان عضو في الكونغرس أو مسؤولا بارزا؛ فلديه حلقة خاصة به من العوامل المساعدة. ويعلق بيتني: «لحسن الحظ أن معظم الرؤساء لديهم شخص ما في دائرتهم الداخلية- مثلما كان لدى جون كينيدي شقيقه روبرت- الذي يساعد في الحفاظ على أسوأ تجاوزات الغرور تحت الاختبار».
ومع ذلك، يمكن للغطرسة السياسية أحيانا أن تصيب إدارة كاملة وتسبب عواقب وخيمة دائمية. بحسب رؤية بيتر بينارت، محرر صحيفة «الأطلنتك»، في كتابه ’متلازمة ايكاروس‘: «معظم مشاكل السياسة الخارجية الأميركية خلال القرن الماضي، من مغامرة بوش في العراق إلى منزلق ليندن جونسن في فيتنام، كانت نابعة من التجاوزات والافراط بالتفاؤل لدرجة غير معقولة بالقدرات الأميركية. فالاعتقاد بأن أميركا يمكنها إنجاز أي شيء مجرد كذبة، لكن ذلك يمكن أن يمثل «ضرورة سياسية» لقادتنا، ما يجعل من الصعب تجنب مثل هذه الحلقات الحمقاء، فمن الصعب الحديث عن الفشل في بلد يعد النجاح معتقدا وطنيا.» وأخيرا فإن الديمقراطية هي أفضل وصفة للزعيم المتغطرس، كما يرى أوين: فالتنازل عن السلطة يتم عن طريق الانتخابات، أو الاقالة أو ضغوط سياسية. ولكن هل يمكننا نحن الأميركان- في بلد وطني، وفخور ومدمن على النجاح- التقدم في مساءلة ساستنا؟ أو عندما يتعلق الأمر بطموحاتنا السياسية الجماعية، فهل نحن مجرد موظفين متملقين من 300 مليون مساند، أكثر من سعداء للتحشد وراء لافتة ’المهمة أنجزت‘ مطمئنين في اعتقادنا أن قادتنا وحدهم يمكنهم الإصلاح؟

