نوزاد حسن
اعاني هذه الايام من مشكلة صعبة يمكن ان اسميها بـ«محنة اللغة السياسية»، وهذا يعني اني اريد ان اكتب بلغة تخلو من اي صدأ يغطي بريق الكلمات او الوانها الزاهية.
علي مثلا ان اعوض افتقاري الى معلومات مهمة تحدث في غرف السياسة, وهنا اتذكر محمد حسنين هيكل الذي قام بأفضل مزج بين لون لغته, ولون السياسة الرمادي. نعم حقق هيكل عالمه بأسلوبه الذي كان واضحا جدا لأن المعلومة السياسية تكون كالمطرقة التي تجعل لغة الكاتب تستسلم لقانون جاذبية البساطة كما تستسلم اية وردة لقطرة ندى تائهة.
ما يزعجني ليس عدم قدرتي على كتابة نص يحول الحدث السياسي الى واقعة تمتزج بنار انفعالي. ما يزعجني ليس هذا العجز اللغوي وانما عجز السياسيين عن التعبير والكتابة بطريقة تقنعنا بأنهم مهتمون بما يحصل لنا على ارض الواقع من نكبات.
اريد ان اسمع كلمة لأحدهم تشعرني ان ليل الارق الوطني يلوح في كلمات, وملامح وصوت المتكلم.
اريد ان التقط ذلك الهمس القلق لمهاتير محمد وهو يحلم بانقاذ ماليزيا..نعم اريد سماع ذلك من قادتنا.
انا ابحث في صحراء السياسة العراقية عن لغة تأتي من نبع الفردية التي تصيب قلب العراقي بالرعشة فيحس بدفء الحقيقة عامرا باردا كنبع دهوكي.
هناك ارقان: ارق لسبب شخصي, وأرق وطني يكون العراق مركزه, ولبه, ويكون الانسان دائرا حول نار ارقه كعابد زرادشتي لا يتعب.
هذه النوعية من البشر السياسيين هم الذين ابحث عنهم, وعن نورهم الذي تراه القلوب قبل العيون.
احس وأنا أقرأ كلماتهم برائحة عذبة تشبه رائحة عشب مبلل في ليل خريفي. ومن المؤسف ان لا احد من سياسيي هذا الزمن اعطانا هذه الشحنة من الطاقة الايجابية التي تحول يأسنا وقلقنا الى نور يكشف المستقبل من خلال عملية تشبه عملية التمثيل الضوئي التي تمارسها النباتات بصمت مقدس.
انا ايضا اود ان احصل على امتصاص كامل للمفردات بحيث تنتقل قوة الاحساس الى ابعد نقطة في روحي. اريد ان امتص كل قطرات الصدق من كلام السياسيين كما يمتص اي ماليزي خمر الثقة, والتقدم, والانجاز من كلمات قائده مهاتير محمد. لكني في حقيقة الامر لا احصل على اي امل لان اللغة التي اسمعها, واقرأها لم تنضج في بركان الروح الذي يغلي.
احاول ان اشرح لماذا يتحدث السياسيون وكأنهم بلا تجربة؟، اعني لماذا لا احس بأني اسمع شيئا واضحا؟.
لماذا يحس الكثيرون ان كل ما يقال ليس حقيقيا, وبعيدا عن الناس لان شبكة الصيادين محكمة, ولا تدع الا صغار السمك يفلت الى شباك الفقراء؟.
لماذا لا يؤلف احد القادة, او احد البرلمانيين الذين تشبعوا باسرار الدولة كتابا له قوة رمح فيطعن كتاب بريمر «عامي في العراق» لأرى ضوء لغة جديدة يبزغ علينا؟.

