أدهام نمر حريز .
صدر عن دار فضاءات للنشر والتوزيع –عمان 2015 , الكتاب الاول للكاتبة العراقية / لنا الفاضل , بعنوان (( كان لنا )) ضم ( 22 ) نصاً , وبعناوين ( سأعود , ظِـــــلّك , لاحقا , نقاطي الضائعة , ترنيمه , شوقٌ بلا صدى (1) , شوقٌ بلا صدى (2) , ذاكرة المطر , على حافة الضوء , لكن لماذا نسيت أنا , ما الذي , يَستفزّني صمتُك , لـكِ يــا شــاطئي المـجنون , شكرا لانك رحلت , طالبي لجوء , أشتاق إليك , بلا بصمة , نهايات , نبوءة ملوّنة , هل؟ , كثيرًا , باسمك ) .
لنا الفاضل في سطور …
الكاتبة العراقية / لنا الفاضل , من مواليد/ بغداد 1972 , حاصلة على شهادة البكالوريوس هندسة مدني / جامعة بغداد 1995، اتجهت للكتابة كوسيلة لايصال رؤيتها رغم كتاباتها المبكرة، وجاء نشر أول كتاب لها بعنوان (كان لنا) وهو نصوص نثرية كحوار مع الوطن ، ومجموعة شعرية جاهزة للنشر ان شاء الله .
((إمرأة عراقية وجدت أن تاريخ انتماءها لوطن عريق أكبر بكثير من عمرها )) هكذا عرفت لنا نفسها , وهي تخط بيدها سطور نصوصها التي حاكت الوطن في الغربة .
أفتتحت مجموعتها بنص ( سأعود ) …
( عندما كنت أنتمي بإيمانٍ ويقينٍ إنني بضعةٌ منك
كنتَ تمؤء
وأنت تختبيء تحتَ فستانَ أفكاري الفضفاض
كقطٍ أليف أن أتركك
أن أنطلقَ لأجد شراعًا يأخذني لأفْقٍ جديد
لكنني كنتُ أعدُّ تشبثي بحدودكَ، وفاءً
رغم شوكَ أسوارك، وتلّبد غيمك بشفرات النهاية
استطعتُ أن أفهم لغتك الجديدة
حِينَ أصبحَ خطابُك زئيرًا
وكفُّك أنيابًا
وأهديتني جوازَ مغادرةٍ به ورقة واحدةً تعني لا رجوع
تتدلى منه رصاصة تهديد :
(غادري وإِلاَّ).
سحبتُ حقائبي وكنتُ قد طويت انتمائي بين ثيابي، فوقه دعاء جدتي، وبداخله سبع عيون زرقاء، وتحته روائح خبز التنور وورود الرازقي .
شكرتُ الفرصةَ الأخيرةَ التي جعلتني أُقبِّلُ بقايا صورتك
أيّها الوديعُ المخيف
أيها المحتضرُ الباقي أبدًا
أيها الأمسْ وما قبلَ الأمس
يا من لا تمشي الأيام منذ دهورٍ لغدك .
قد تكون بغيابي قد سجلتني بسجلِ اللامنتمي
لكنني سأعودْ فلا أرضَ لي إلا أنت ..
سأعود وأنا رُبما مجردُ حفنة من تراب لتمتزج بترابك وتنبتَ مني ومِنك أغنيةُ انتماء لاتنسى. )
-انا الان اتذكر مقولة ( برتولت بريشت ) ”لا يستطيع الكتَّاب أن يكتبوا بالسرعة التي تشعل فيها الحكومات الحروب، فالكتابة تحتاج إلى بعض التفكير.“
وكأن شريط الاحداث تمر علي تباعا وانا اقراء النص , فهو يذكرني بمعاناة هذا الوطن و هذا الشعب منذ الاحتلال الى هذه اللحظة .
وكيف غادر الكثير من العراقيين و عاشوا في غربة , مضطرين نتيجة هذا الانفلات الدامي و الانقلاب الكبير في مسار و تاريخ هذا الوطن .
لقد ابدعت الكاتبة / لنا الفاضل في استخدام التوصيف و التوظيف في المعنى و التصوير , فلقد شبهة الوطن بقط اليف و وديع سرعان ماأنقلب حاله , ليسكنة الموت و الغرباء .
الاعتراف في نص ( ظِـــــلّك )..
( كنتُ أحتاج وقتًا طويلًا لأتقبّل الخسارة
ربما لأنها لا تعوض
وربما لأنني كنت أحبُّ أن تكون نجاحاتنا مشتركة ..
لم أُتقن أن أنسب شيئًا لنفسي دونك عن إيمان قديم إنَّ الحياة خُلقت ليصنعها اثنان ويُجّملها اثنان ويتقاسمها اثنان.
لم يكن أَنْ أنحتَ في الصخر أمرًا جسيمًا بحدّ ذاته، لكن أنْ تختار وحدك صخرةً لاستمراريتك وتحملها أينما تذهب هو الأمرُ العظيم .
دومًا كنتُ أتخيل ظِلّك على حائط انتصاراتي
يلتقط صورًا ليزيّن جدران ذاكرتك الصّائمة عن تذكر حضاراتك، وإنجازاتك وعباقرة صنعتهم وصنعوك.
قد أكون لم أتقبل خسارتي، لأنّ الحياة لم تعطِني الوقت لأمارس حزني عليك،
أنْ أَهِبُ نفسي بعضًا من الشفقة،
وبعضًا من دموع كنتُ أسكبها لأحزان من حولي، ولا أهدهد بها أوجاعي عليك .
الحياة اختارتْ أن تلوّح لي برايات التحدي وهي تبتسم بكلّ استهزاء:
ستغرقين وسأغرق كلّ مراكبك
قبِلت التحدي ورفعتُ راياتي
وضعتُ حُزني في صندوقٍ وأغلقته ،تناسيت مفتاحه.
لأنقذ انتصاراتنا وزهونا وذكرياتنا وغدنا
في قلبي غصةٌ مريرةٌ، إنَّ ظِلَك كان خلف راياتها يلّوح لي مبتعدًا :
أنا آسف لكنك الآن وحدك .
مضَتْ الأيام …
الآن بعد كل تلك الأعوام، أُهديكَ باقةَ ورد والكثير من النجاحات التي ذُيلت باسمك لأنني دومًا كنتُ أنحت فرحتي بيدي وظِلك المديد. )
-الاقرار و الاعتراف بالخسارة الجسيمة في الغربة عن الوطن هي ما طبعة هذا النص .
وتعيدني لاتذكر قول (( عبد الرحمن منيف )) ”الذاكرة لعنة الإنسان المشتهاة ولعبته الخطرة، إذ بمقدار ما تتيح له سفرا نحو الحرية فإنها تصبح سجنه، وفي هذا السفر الدائم يعيد تشكيل العالم والرغبات والأوهام.“
كم مؤلمة هي الذكريات الجميلة عندما نرحل مرغمين عنها , فنجاحنا في الوطن كان له وبه , كما هي حياتنا فيه ومنه .
حجم المعاناة في نص ( طالبي لجوء ) …
( دومًا كنت أراك ثريًا
مترفًا بتفاصيل شفافة، وهبتها لك الحياه
ثرياً حد التواضع، الّذي يضفي عليك نورًا
بهاءً لا يضاهى ..
صافيًا كمياه ينبوع لم تعكره خطوبُ الحياةِ المريرة التي تمر بك .
عالياً كبدر لا يغيب عنه الحب إلا ليغمر الآخرين حنانًا
بحب أكبر
لم يكن يعنيني بَعدَ عينيك أيَّ شيء
وما كان لأي من جواهر الأرض قيمة عندي كما كان لقرنفلتك الحمراء التي أهديتني ذات فرح.
من بعدك…
لا تحتويني أي كلمات محبه لأنها لا تحمل وشمك وعطرك
ما ذاب الاشتياق كشموع ولهى في محراب صمتك
إلا لأنكَ أنتْ.
…. )
-(من بعدك ) كانها تقال لرجل رحل عن عائلته و ترك اطفاله من بعده صغار لا يقدرون على مواجهة الحياة , قاصرين عن أدراكها , وعن السير فيها من دون توجية او معيل , كانها تذكرني بقول ( جبران خليل جبران ) ”حين يغمرك الحزن تأمل قلبك من جديد، فسترى أنك في الحقيقة تبكي مما كان يوماً مصدر بهجتك.“
لقد استطاعت الكاتبة / لنا الفاضل , من اختزال المعاناة في هذا النص , و اطلقت العنان لبوحها وهي تنقلها الى القارى .
فالمبدع هو من يخلق ما لا مثيل له من فن أو فكر أو عمل، فيأتي خلقه متقناً ومتميّزاً عن كلّ ما سواه. ولا بدّ للمبدع أن يسكب كلّ حبّه في إبداعه، لا بل يضع فيه من ذاته ويطبع بصماته عليه.
ولقد كانت الكاتبة / لنا الفاضل موفقة في طرحها و مبدعه في نصوصها المتوهجه بصورا تنقلك بين الحنين للوطن و بين المعاناة في غربتهِ .

