د. منار الشوربجي
فضيحة ترامب تمثل لحظة كاشفة تعكس بدقة حجم الأزمة المكتومة داخل حزبه وتجسد بشفافية دور الإعلام المهووس بالفضائح، على حساب القضايا، بينما تتطرق أيضا للدور الخطير الذي يلعبه المال في صنع السياسة الأميركية.
فاعتذار ترامب أثناء المناظرة الثانية عن التسجيل، المثير للغثيان، والذي كان يتحدث فيه بوقاحة عن المرأة، لم يكن نهاية القصة. إذ تلا التسجيل الفاضح خروج أكثر من عشر سيدات عن صمتهن واتهمن ترامب بالتحرش، وهو الاتهام الذي قابله ترامب وحملته بالإنكار المطلق.
لكن الكثير من رموز الحزب الجمهوري الذين التزموا الصمت منذ بداية الحملة الرئاسية أو أعلنوا على مضض دعمهم لمرشح الحزب دونالد ترامب، التزموا الصمت حتى بعد ظهور الشريط حين لم تتحول المناظرة الثانية إلى الكارثة التي توقعوها من ترامب، وآثروا أن يظلوا على التزامهم الحزبي. لكن مع خروج عدد كبير من النساء عن صمتهن انفجر الحزب الجمهوري من داخله وراحت رموزه تقفز من السفينة.
فهذا يعلن عن سحب تأييده لمرشح الحزب للرئاسة وذاك يعلن أنه لن يعطيه صوته في الانتخابات، بينما تعالت أصوات هنا وهناك تطالب قيادات الحزب بالضغط على ترامب للتنحي وترك الساحة لنائبه مايك بنس. وكان على رأس من أعلنوا سحب تأييدهم رئيس مجلس النواب بول رايان الذي ألغى مؤتمرا انتخابيا كان مقررا أن يظهر فيه مع ترامب، ثم أعلن سحب تأييده له وإن رفض أن يقول ما إذا كان سيعطيه صوته في الانتخابات.
فقد صار واضحا أن دونالد ترامب بات عبئا على الحزب الجمهوري في انتخابات الكونجرس. فالقضية لم تعد فقط أن الحزب معرض لهزيمة كاسحة في انتخابات الرئاسة وإنما قد يمنى بهزيمة مماثلة في انتخابات الكونجرس أيضا. اللافت هو رد فعل ترامب إزاء ما يجري. فالرجل الذي لم يتورع عن تهديد كلينتون صراحة بإلقائها في السجن إذا ما تولى الرئاسة، هدد رئيس مجلس النواب بأنه لن يعود لمقعده كرئيس للمجلس لو فاز بالرئاسة!
غير أن اللافت للانتباه أن الإعلام الأميركي ركز بشكل لا نهائي على فضائح ترامب الجنسية بتفاصيلها الدقيقة المزرية، بينما لم يعط اهتماما يذكر لقصة انهيار واحد من حزبين رئيسيين بسببها ولا ما يعنيه ذلك من مشكلات كبرى للحزب المنافس على المدى الطويل!
وقصة الحزب الجمهوري وما جرى فيه على مدار العقدين الأخيرين هي القصة التي تستحق أن تروى لا فضائح ترامب! فهي قصة حزب كان بوش الأب، الذي ترك الرئاسة عام 1992 هو آخر رئيس يأتي من تيار الوسط فيه.
وقد ظل الحزب يزداد ميلا نحو اليمين حتى صار طاردا لتيار الوسط أصلا. ثم سمحت قيادات ذلك التيار اليميني الجديد، أو بالأحرى التي ترجع جذوره للستينات، بمزيد من التطرف لأغراض انتخابية.
وشجعته في صورة إفساح الطريق لرموز حركة حفل الشاي التي راحت فيما بعد تهدد ذلك التيار نفسه،وتنافس قياداته فطردت عددا منهم من مقاعدهم في الكونجرس وكان على رأسهم إريك كانتور زعيم الأغلبية. وترامب ما هو إلا آخر تجليات تلك التحولات التي شهدها الحزب الجمهوري على مدار عقود.
لكن فضيحة ترامب التي كشفت عن عمق أزمة حزبه كشفت أيضا عن دور المال. ففي خبر لافت، نشرت صحيفة النيويورك أن مجموعة من كبار الأثرياء الذين يمولون الحزب الجمهوري بملايين الدولارات دعوا اللجنة العامة للحزب، للتخلي رسميا عن دونالد ترامب.
ونقلت عن أحد أولئك الممولين قوله إن قيادات الحزب لابد «أن تنظر في المرآة وترى أنه ليس بإمكانك أن تدافع أمام أطفالك، خصوصا بناتك، عن دعمك» لدونالد ترامب.
لكن كلمات بعض أولئك الممولين للحزب انطوت على تهديدات مباشرة طالت حتى رئيس الحزب الذي دعت لطرده من منصبه وتعيين من هو أكثر كفاءة منه «لإعادة بناء اللجنة العامة للحزب». والخبر مجرد قمة جبل الثلج، فالكثير من الأموال انتقلت أصلا للحزب الديمقراطي.
والحقيقة أن دور المال في الانتخابات الأميركية صار أكثر عمقا في تأثيره من أي وقت مضى. فبعد قرار المحكمة العليا في 2010 الذي قوض كل القيود التي كانت مفروضة على إنفاق المال بحجة أنه مستقل عن حملات المرشحين، ثم قرار محكمة فيدرالية أخرى، قام برفع القيود عن سقف إنفاق الأفراد لتمويل الحملات الانتخابية، صارت الساحة الأميركية غارقة في مليارات الدولارات دون أن يعرف الناخب مصدرها ولا طبيعة المصالح التي تحميها تلك الأموال.
والمفارقة الجديرة بالتأمل، هي أنه رغم أن المناظرة الأخيرة بين مرشحي الرئاسة ستنعقد مساء الليلة، إلا أن أغلب رموز الحزب الجمهوري المعتبرة صارت تتحدث عن مرحلة إعادة بناء الحزب الجمهوري بعد الهزيمة الفاجعة التي سيمنى بها دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة!

