Pdf copy 1

     عباس باني المالكي 
ويكون المستوى الباطني هو الذي  يحرك  الظاهري، وأن النص لديه   يعتمد  الإيقاع   الداخلي الذي يتوازي مع والإيقاع   الظاهري ،  لهذا تحتاج  نصوصه  إلى تأمل المتقارب  في فهم المعنى لكي لا يختلط  أو يؤدي إلى الفهم والإدراك السطحي  لنصوصه، أو تكون كل على حد وتكون منفصلة عن بعضها ، كما يجب  أن نفهم  نصوصه على أنها نصوص تعتمد  النص  المزدوج   الصوتي  ما بين  ظاهر المعاني وداخلها ، فهو يكون  النص من خلال   توسع  عالمه الداخلي وقد  أتخذ من  أبعاد الشجر النافذة، التي يتوغل من خلالها إلى  مساحات ذاته، ونجد صوته الداخلي  في الظواهر التي يعملها ، مرة  يطوف  ومرة يجيب على الشوارع ويكتشفها ، ونحن أمام نص  الظاهر يبين عمق الباطن  بطريقة الكشف  وتمازج  الكلي معه ، ولكي لا يحدث الانفصال بينهما يمشيها على  مهل  (إذ  يتشظى ناقوساً للدهشةِ فيَّ : /أيُعقل ُأني /أطوفُ بكلِ الجزر البكرِ، /اكتشفُ المرجانَ ، الفيروزَ؟/وأجوبُ شوارعَ  تمشي فيَّ /على   مَهلٍ ) ويستمر بطريقته  الخاصة بكتابة  نصه الشعري ،  حيث يمثل الباطن  الإشعاع المؤثر على حركة الظاهر  منجذب نحوه ،  ما يجعله  يبقى متوازي مع جوهرية   الفكرة للنص ، حيث نلاحظ   هذا من خلال تأكيده على ما يحدث له  حين  يعمق في داخله من تصاعد  الإيقاعات التي تسبب هطول العرق   ومن خوفه   الذي يؤدي إلى  رعشة كفه ، وبعدها يخرج من داخله  ليوازيه  مع الظاهر، ويعتمد الصوت الخارجي ( صوتك يجلس قربي يعانقني) ، ونشعر أنه يعيش مواسم  ذاته في كل أبعادها   التركيبة  الدلالية ، فيغب برعشة الضوء ويعيش الإغفاءة  بين الفينة  والفينة ،  ويصبح   المعنى الداخلي هو الكاشف ، و يتسع  إلى  حد  كشف الظاهر لكي  لا تحدث  الفوضى  وتتحول  التيجان إلى أحذية مرمية  بسبب   غياب  المعنى و تحوله إلى معاني هامشية وفوضوية  (تتصاعدُ إيقاعاتُ هطولِ العرقِ المتفصدِ /من خوفي … /من رعشةِ كفي وهي تلامسُ /صوتَكِ ، يجلسُ قربي يعانقني /أمسكهُ فأغيبُ برعشةِ ضوءٍ /طوبى ، طوبى ، طوبى …./أغفو بين الفَينةِ…/الفَينةِ…/أُبصرُ هالتَكِ سفرَ نبوءة ٍ/فالتيجانُ… أحذية ٌمَرميَّةٌ ،/العرباتُ الملكيةُ، /ركامٌ مفتوحُ العينينِ … /على أرصفةٍ أوقفَها / ترتيلُ الشيطانِ عن الجَرَيان ِ.) هو بهذا يعيد  كشف كل ما ينمو حوله  من هدف دلالي  في استعارة  الرمزية  التكوينية  في قصيدة التكوين الدلالي،  فيؤكد أن كل شيء  حوله  سوف يكون  بدون المعنى  إذا لم   يشكل الداخل  هو صوته   الحقيقي  في جوهر الدلالة  المعنوية بالارتقاء بالحياة  ، يؤدي  هذا إلى تراتيل  شيطان ، و سيسقط  العالم الخارجي من دون التمسك  بالصوت   الداخلي ، وسوف تأخذ  المعاني  إلى غير   حدودها   الحقيقة ، لهذا  يجب أن يصبح الظاهر هو الإشعاع الدلالي للداخل في كل تحولات  النص . 
ص 53 نص (شجرُ الدَّوَران )
(الحياةُ… /التي سلَّمتْنا لغُربة ِ /رَحمٍ كبيرٍ /لما تزلْ تسيرُ بأغصانِها /لسماءٍ أكثرَ زُرقةً /نتساقطُ أرضا ً /غيرَ آبهينَ بجذوةِ الجمرِ المشتعل ِ /بين ثنايا الأمنيات ِالتي تناثرتْ /مِن على شَجرتِها إيذاناً، /ببقاءِ الأسلاكِ الشائكةِ /وهي تشدُّ بقايا مِزَقِ لحومِ الضوءِ /العابرِ فوقَها في أطرافِ فَرحة ٍ /لم تُولدْ بعدُ /من ليلٍ أُتخِمَ بفقدِ النجومِ /حدَّ العَطب ِ /لا ثقبَ في سقفِ الغرفةِ /لا غصنَ يدخلُ ليشيرَ إليَّ /أسمعُ آلافَ الأصوات ِ /تتزاحمُ كالنَّملِ على وجهي : / هوَ ذا … هوَ ذا /اصعدُ جذعَ جدارِ السنواتِ العارية ِ،/إلّا من أسلاكِ الفقدِ /واهبطُ ثانيةً /بيَديَّ الحجرُ النابض ُ ، /يُذكّرُني ، /بتَواريخِ الجمرِ … )
يستمر  الشاعر    باتخاذ  من  الشجر الدلالة الرمزية التي عن طريقها  يعيد تكوين  التأويل وفق طاقة التخيل  ، واستدراجها الصوتي في لسانية بصرية الفكرة التي يريد أن يضمنها نصه ، حيث يتخذ من الحياة  التي تتجمع  وتتكون في البؤرة النصية الموصلة  إلى المعنى الحي برمزية الشجرة ،  ففي نصوصه السابقة  يتخذ من الشجرة   المفتاح التقويمي  الرمزي الذي  يدعم تكوين النص عنده وبعدها يتشظى حسب موقعية الحياة داخله ، أما هنا   فيتخذ من الشجرة  المركز   البؤري  في رؤيته   إلى الحياة ، ومن ثم يجعل من  أبعاد  الشجر الداعم  لتركيز  المعنى وثباته   باتجاه الدالة التي يريد  أن يوصلها ، و يتخذ منها بعدا  توجيهي  لكي لا يبتعد عن  البؤرة المركزية ، وهذا ما يعطيه   القدرة على التموضع التناظري مع جوهرية الفكرة المرتبطة   مع الرؤيا  الذهنية  التكوينية  في الاستدلال، و يأتي هذا من خلال سلسلة من المرئيات البصرية  التي تحكم  النص، وقد أتخذ الشاعر من الرؤية الوجودية  في كيانية الإنسان  كدلالة معنوية، وجعل من الحياة هي الدالة الكبرى  التي تعطي  البعد البؤري  من  ثم  ربطها  مع التعبير  التأويلي  للشجرة .  هو  لا  يسلك نسق واحد  في شعرية نصوصه، وحتى وأن كانت   الشجرة هي المركز البؤري لهذه  النصوص، حيث يستدرج  التشظي في المعنى من ثم يجمعه  في  البؤرة المعنوية لكي يستمر بإعطاء  التأويل وفق هاجسه  الداخلي ، أي يضفي  المعنى على الخارج حسب  قيمة الحياة واقترابها  من  تصوره  الذهني ، وقد أتخذها الأفق الذي يتشظى  فيه ، وحول  الشجرة إلى الإشارة ،  و أستخدم  الدالة والمدلول لعنصر الحياة داخله بتأمل  فكري باطني من أجل أن يشرك كل مسميات مع بعده التنظيري في الكتابة ، فهي الرحم   الكبير وأغصانها المتفرعة في كل جوانبها الحية . 
فيترادف  بالتسلسل المعنى   الباطني  لفكرته حسب  تحسس  ذاته،التي تحرك المسميات وتوهجها  وتشظيها  داخله، غير  أبه بالجمر  المشتعل من أجل الوصول   إلى الأمنيات، ومع  هذا عليه الوصول   لهذه  الأمنيات  رغم الأسلاك  الشائكة ، ويسعى من أجل أن تولد الفرحة داخله (الحياةُ… /التي سلَّمتْنا لغُربة ِ /رَحمٍ كبيرٍ /لما تزلْ تسيرُ بأغصانِها /لسماءٍ أكثرَ زُرقةً /نتساقطُ أرضا ً /غيرَ آبهينَ بجذوةِ الجمرِ المشتعل ِ /بين ثنايا الأمنيات ِالتي تناثرتْ /مِن على شَجرتِها إيذاناً، /ببقاءِ الأسلاكِ الشائكةِ /وهي تشدُّ بقايا مِزَقِ لحومِ الضوءِ /العابرِ فوقَها في أطرافِ فَرحة ٍ /لم تُولدْ بعدُ ) و يجعل المعنى  ودلالته  هي من   تحرك الرؤية البصرية  التي تعيد كشف الاستعارة   المقاربة إلى رمزيته ، و يضمنها مسميات ذاته إلى حد تتطابق هذه المسميات مع المسميات  الخارجية لكي يبتعد عن   الرموز المبهمة   والبعيدة عن المنطق  الدلالي ، وهذا ما يجعل النصوص لدية قادرة على أحداث التأويل  المؤثر في فعالية تكوين الصورة الشعرية ، و مسك الدلالة السيميائية في رموزه كما يجعل هذه الرموز ذات طاقه فعاله، لتجمع  الأنساق  الذهنية  التصورية ، ضمن آفاق  رؤيوية متطابقة مع رؤيته   للحياة  وقيمتها المعنوية المتمثلة   بالشجر ، فيتخذ  تفرعات   الشجرة وما يشير إليها   من أغصان  ويرتقي بها إلى المعاني التصورية  في فكرة الأنساق الدلالية  المتشظية والمتمركزة في التوحد  العضوي للنص.

التعليقات معطلة