طارق حرب
في سلسلة تراثيات بغدادية كانت لنا كلمات عن بغداد في نظر الرحالة العرب كابن بطوطة وابن جبير اذ سبق وان اوردنا الرحالة الاجانب من إنگليز وفرنسيين وروس في القرن التاسع عشر وقد تولينا اختيار هذين الرحالة العرب دون غيرهما كالرحالة ابن حوقل النصيبي والذي عاش في المائة الرابعة للهجرة واكتفينا بالرحالة ابن بطوطة والرحالة ابن جبير وابن بطوطة هو ابو عبدالله محمد بن محمد اللواتي الطنجي المشهور باسم بن بطوطة المولود في طنجة المدينة المغربية عام ٧٠٣ هج من عائلة عنيت بالعلوم الشرعية وعرفت بسعة العيش ودرس الفقة والادب بحيث جعله قاضيا كالعددين من هذه العائلة وكان له شعر جيد مثل غيره ممن تمكن ثقافة وخصص الكثير من هذا الشعر لمدح الذين شملوه بالرعاية ولقد دفعته رغبته في الترحال لأداء فريضة الحج وغادر طنجة وعمره ٢٢ عاما في سنة ٧٢٥ هج ولم يرجع إلا بعد ربع قرن وقد تولى ابن جزي كتابة هذه الرحلة في اسلوب ادبي وقد ذكر بغداد بقوله مدينة السلام وحضرة الاسلام ذات القدر الشريف والفضل المنيف مثوى الخلفاء ومقر العلماء وبعد ذلك يشير الى شعر انشده الشاعر ابو تمام عن بغداد منها قوله:-
لقد أقام على بغداد ناعيها
فليبكها لخراب الدهر باكيها
وكذلك قولهم
طيب الهواء ببغداد يشوقني
قربا اليها وان عاقت مقادير
وقولهم ايضا
سلام على بغداد في كل موطن
وحق لها مني السلام مضاعف
وقد بدا ابن بطوطة حديثه عن جسري بغداد المعقودين لعبور الناس ليلا نهارا رجالا نساء كأنهم في نزهة متصلة ويشير الى مساجد بغداد وهي ١١ مسجدا ثمانية في الكرخ وثلاثة في الرصافة والمدارس والحمامات وهي من ابدع الحمامات المطلية بالقار حتى كأنها رخام اسود ويصفها من حيث الشكل والبناء والخدمة ويتحدث عن كل جانب من بغداد بشيء من التفصيل ويبدأ بالجانب الغربي والذي يتكون من ١٣ محلة كل منها كأنه مدينة بعد ذلك يعدد المحلات مثل محلة باب البصرة والشارع المحاذي لنهر دجلة وقبور الاولياء اما الجانب الشرقي لبغداد فيقول انه حافل بالاسواق العظيمة الترتيب واعظم الاسواق سوق الثلاثاء فيه كل صناعة والمدرسة النظامية وسط السوق والمدرسة المستنصرية وفيها إيوان لكل مدرسة فقهية ويصف ابن بطوطة هيئة المدرسة ولباس المدرس ووقاره وحمام الطلبة ودار للوضوء ويعدد المساجد ومنها جامع الخليفة المتصل بقصور الخلفاء وبيوتهم واماكن للوضوء والغسيل وجامع السلطان وهو خارج العمران والثالث جامع الرصافة ويذكر قبور الخلفاء والعلماء والصالحين في بغداد وقبور الخلفاء في الرصافة المهدي والهادي والامين والمعتصم والواثق والقار الذي يتم جلبه من عين بين البصرة والكوفة واحوال الخلافة العباسية وملاحظاته عن اهل بغداد حيث لا تكاد تلقى منهم الا من يتصنع التواضع رياء ويذهب بنفسه عجبا وكبرياء واعتبر ما كتبه ابن جبير افضل الوثائق عن بغداد والقار الذي يتم جلبه من عين بين البصرة والكوفة واحوال الخلافة العباسية وملاحظاته عن اهل بغداد حيث لا تكاد تلقى منهم الا من يتصنع التواضع رياء ويذهب بنفسه عجبا وكبرياء واعتبر ما كتبه ابن جبير افضل الوثائق عن بغداد حتى ينتهي بآخر خلفاء بني العباس وهو المستعصم الذي ازال خلافته المغول ويرسم قبر الامام ابي حنيفة وقبة الزاويت الموجودة فيه لاطعام الناس وقبة قبور الامام احمد بن حنبل وشيوخ الصوفية الشبلي والسري السقطي وبشر الحافي والطائي والجنيد وكيف ان اهل بغداد حددوا يوما لزيارة هذه القبور وقبور الصالحين والعلماء والحدائق والفواكه التي تجلب من الكرخ الى الرصافة ويتكلم ابن بطوطة عن السلطة التي تحكم بغداد في اثناء زيارة بغداد اما الرحالة العربي ابن جبير فهو محمد بن احمد بن جبير بن سعيد بن جبير بن محمد بن عبد السلام الكناني المولود في بلنسية في المغرب العربي واصلة من مدينة شاطبة عام ٥٤٠ هج درس العلوم الدينية واللغوية وقول الشعر وقام برحلته المشهورة الى المشرق العربي لحج بيت الله والى طلب العلم والاستماع للشيوخ اثناء ترحاله وكان رجل دقيق الملاحظة يهتم بتسجيل كل ما يشاهده وخلف لنا نتيجة هذه الرحلة من الاندلس الى الشرق الاسلامي عام ٥٧٨ هج وثيقة من اصدق ما تركله الرحالة العرب والتي كتبها باعتبارها يوميات عام ٥٨١ هج اعتمدت شهرته الادبية على هذه الرحلة التي أفادت الجغرافيين والمؤرخين وقد وصل ابن جبير الى بغداد عام٥٨٠ هج وبقي فيها ثلاثة عشر يوما ذكر عنها الكثير فكان يتأكد من كل خبر يتعرف عليه ويسرع ليرى ماسمعه لذلك دون لنا معلومات قيمة عن بغداد شملت جميع اوجه الحياة فيها كالاحوال السياسية والمجالس العلمية والخدمات الطبية مشيرا الى الخليفة الناصر لدين الله الذي حصلت رحلته في زمانه ووصف خطط واحوال بغداد العمرانية حيث قال بغداد مدينة عتيقة ذهب اكثر رسمها ولم يبقى الا شهرة اسمها واشار الى الجانب الغربي وما لحقه من خراب وهو يحتوي على سبع عشرة محلة كل محلة منها مدينة مستقلة وفي كل منها الجوامع والحمامات وذكر ان سبب الخراب يعود الى كثرة الفتن والاضطرابات وتغيير مراكز النشاط الافتصادي والاجتماعي والفكري في بغداد وانتقال مركز الاعمار الى غربي دجلة ووصف ابرز المحلات منها محلة القرية القريبة من مدرسة الكرخ في محلة الجعيفر حاليا ومحلة باب البصرة وجامع المنصور والمارستان اي المستشفى العضدي ومحلة الحربية اعلى المحلات التي لم يكن وراؤها الا القرى خارج بغداد ووصف لنا قبر معروف الكرخي والامام موسى الكاظم وقبور عين ومعين والجانب الشرقي وسورها ذا الاربعة الابواب وهي باب السلطان اي باب المعظم وباب الضفرية اي الوسطاني وباب الحلبة وباب البصلية ودار الخلافة والقصور والبساتين والاسواق وجوامع الخليفة والرصافة والسلطان وتقصى بن جبير الحمامات والمدارس .

