منهل عبد الأمير المرشدي
بعد ان صار الفساد في بلادنا مشرعنا محميا محاطا بالحصانة والرصانه فقد امسى له رجاله وسلاطينه وقصوره وحماياته ومدرعاته وصار له قواعد واصول ومناهج ودروس وعلامات ودلالات ومثابات وسياقت . الفاسد عندنا لا يكون لوحده فالفساد عمل جماعي يتطلب مشاركة الفاسدين وتوثيق الصلة بهم وتعاضدهم في الطمطمة من جميع الكتل والأطياف والأعراق. الفاسدون في بلادنا فوق القانون ويمتلكون مهارات لايمتلكها غيرهم فهم يختصرون الزمن في صعود سلم الفساد المفيد المثري ثراءا فاحشا بسرعة البرق . كثيرا ما نجدهم كراما في العطاء للفاسدين الصغار امثالهم ففتات الفساد الذي يوزعونه على الفاسدين الصغار سيشجعهم لاتباعهم والتصفيق لهم والتطبيل والتهليل . دائما ما تجد الفاسد محترفا في اللياقة والخطابة والخبرة بالقانون فالمختلسون البدائيون يذهبون إلى السجن أما المحترفون فيصفق لهم الناس ويعتبرونهم رموزا لهم وقادة . ولأن الفاسدين متمرسين في اخفاء أدلة فسادهم فقد ايقن رئيس الوزراء عادل عبد المهدي والمجلس الأعلى لمكافحة الفساد انه لا داعي لمحاسبة الفاسدين بأثر رجعي لقناعته بعدم توفر الأدلة . المشكلة اننا نجد الفاسدين لا يخجلون من الفساد بعدما اصبح لديهم أكبر امبراطورية في العالم وهم موجودون في كل مكان ولهم حضور دائم وسطوة ومكانة متميزة واستقبال خاص في المؤتمرات والمنتديات واللقاائات التلفزيونية . للفاسدين ما يميزهم عن سواهم في المزاج والطباع والأخلاق فالفاسد يكره كلمة رشوة وهو يحب أن يسميها عمولة . انه دائم الحديث عن معضلة الفساد ووجوب محاربته والقضاء عليه كما يكثرون الحديث عن الشرف والنزاهة والعفة والحياء ومخافة الله والعطف على الفقراء ولا يتوقفون عن لعن الفساد وشتم الفاسدين.. نجدهم دائما يأخذون صوراً تذكارية مع الجمعيات والمنظمات التي تحارب الفساد ولهم ابواقهم الاعلامية وقنواتهم الفضائية التي تساعدهم وتروج لثوريتهم وزعامتهم وعبقريتهم وشرفهم الرفيع جدا جدا . فالانتهازيون من الإعلاميين يختصرون عليهم خطوات كثيرة ويخلقون لهم صورا اخرى ويؤسسون لدى الناس البسطاء قناعات اخرى . . لا يكترثون بالمثقفين لأنهم لا يؤثرون عليهم فهم ايديولوجيين يتطاحنون بينهم بعيداً عنهم وكثيرا ما يكتفوا في افراغ شحناتهم وهمومهم في شارع المتنبي او تحت نصب الحرية ساعة ظهرية .,. للفاسدين ضالتهم وفرصتهم حيثما وجدوا فاسد فيغدقون عليه بسخاء لأنه بالنسبة لهم بمثابة عملة نادرة.وليس هناك من يسألهم او يساله من اين لك هذا . اقوى ما يميزهم عن كل بني البشر انهم فاقدين تماما لشيء اسمه الضمير لأنهم ينسوه أويتناسوه ويجهلوه أويتجاهلوه وهم بذلك يتساوون مع الديوث ومن يعتاش على الرذيلة لذلك كثيرا ما تجدهم ومن اجل ابعاد الشبهة عنهم وكل ما يكشف حقيقتهم يتظاهرون بالتقية والأيمان والتقوى انهم منافقون بإمتياز مع سبق الأصرار والترصد (واذا جاءك المنافقون قالوا نشهد انك لرسول الله والله يعلم انك لرسوله والله يشهد ان المنافقين لكاذبون .

