منهل عبد الأمير المرشدي
ما تمر به البلاد منذ اكثر من شهرين من انتفاضة شبابية ابتدأت مطلبية تطالب بالحقوق المشروعة في توفير حياة حرة كريمة ومحاسبة الفاسدين واتسعت في محتواها ومداها للحد الذي ركب موجتها ما يسمى بالطرف الثالث فكان ما كان من موت وقتل وحرق وتدمير وصولا الى التعليق والسحل والتمثيل. ما يستحق التأمل والتوقف عنده في هذه المظاهرات هو ما يحصل من البعض الذين يسيرهم العقل الجمعي من تجاوز على الثوابت وجرأة على المقدسات والرموز وحرق الأخضر بسعر اليابس وأخذ الصالح بحكم الطالح. ما يستحق التوقف عنده ويتعجب منه البعض فيما يحصل اليوم من الشباب بانه بمثابة الانقلاب على الذات وتجاوز على ثوابت الآباء والأجداد وذاكرة التأريخ القريب لأهلهم وناسهم أم ان هناك وصف آخر لما يحدث. هذا الأمر اعادني الى ما قرأته عن ثورة الشباب الفرنسي في نهاية الستينات وحيث كان العالم واوربا منشعلين بالصراع الايدولوجي المحتدم بين الرأسمالية والماركسية كان هناك جيل في فرنسا من طلبة الجامعات والعمال والفقراء لا يعنيهم كل ذلك. جيل لا تعنيه حيثيات الحرب العالمية الثانية المنتهية قبل سنين ولم يعشها ولا يتذكر ابطالها او يعرف الثوار فيها او الجبناء ولا يفرز بين المجاهد والخائن. جيل لا يبهره ديغول ولا تاريخه ونضاله ومساهمته العظيمة والكبيرة في تحرير فرنسا. جيل كان يبحث عن حرية القرار الى حد التمرد على الذات رافضا لسلطة ديغول الابوية وكل سلطة ابوية اخرى بما فيها الثوابت الأخلاقية التي أسس لها ديغول في البنية الثقافية للمجتمع الفرنسي فانتفضوا ضد كل ما هو تقليدي وطالب المتظاهرون بدمج الفن بالحياة اليومية حيث مُزجت الشعارات السيريالية والدادائية التي رسموها مع الواقع وسخروا من البورجوازية البيروقراطية المهيمنة فجربوا التواصل البشري في الشوارع كأنهم يفعلون ذلك لأول مرة حيث كان حاضرا بينهم سارتر ودولوز وفوكو وديبور الذين استمدوا من تلك الأحداث مضامين كتاباتهم اللاحقة. لقد كانوا يلتقون على التململ من الرأسمالية ومحاولات اليسار ومثقفيه البليغين بإعادة تشكيل العالم فكانت مطالبهم اكثر تواضعا للحياة من استعلاء الايدولوجيا وهو ما عبّر عنه غي ديبور في كتابه (مجتمع الاستعراض) بقوله (الثورة لا تعرض الحياة على الناس، بل جعلهم متحدثين عن أنفسهم، من أجل تحقيق درجة متساوية من المشاركة). طبعا ثورة الطلاب في فرنسا سرعان ما تراجعت حدتها وارتد بعض قيادتها عن افكارها كما تحول بعض قياداتها الى نجوم في الفضائيات متعكزين على تاريخهم الثوري. ما اود الوصول اليه هو ان قياس تلك الاحتجاجات في الحقيقة ليس فيما حققته انياً لكن بتأثيرها اللاحق الذي خلخل الكثير من المفاهيم التقليدية وبشكل كبير. ما يحصل اليوم في محافظات الوسط والجنوب وحصوصا في بغداد يدعونا للربط في أوجه الشبه بما حدث في فرنسا الستينيات. اغلب شباب الانتفاضة لم يعاصروا صراع الايدولوجيات الكبرى ولم يعيشوا تلك الأيام المرعبة في عهد النظام الاستبدادي للمقبور صدام. مطالبهم انطلقت واضحة بسيطة لا تمت بصلة بمماحكات وجدالات القوميين او قوى اليسار او الاسلام السياسي لذا هم يرفضون الانضواء تحت السلطات الراعية والأبوية التقليدية بما فيها سلطة المثقف التقليدي الذي يصعب على هذا الجيل ان يفهم خطابه المعقد او ما يرطن به، بل هناك احتفاء بالركاكة كتعبير عن رفض تلك الرصانة التقليدية للمثقف بجميع عناوينه الدينية والسياسية والأدبية. الفرق بين ما حصل في فرنسا ويحصل في العراق وبغداد اليوم ان الرأسمالية الراسخة في فرنسا استطاعت احتواء تلك الاحتجاجات لاحقاً بعقول كفوءة من النخب الفكرية.. فهل يستطيع ساسة العراق بهذه المنظومة المترهلة بين الفساد والفشل من احتواء هذا الحراك والتعامل الجاد مع مطالب الجماهير المنتفضة وقطع الطريق على الآخر المتربص بالعراق شرا أم انهم سيبقون في غيّهم واهمون ولات حين مناص.

