الدخلة، والتي تسمّى “ليلة العمر”، لتترك عشرات الأسر والزيجات، وربما المئات، في مهب ريح القلق والاضطراب، مؤدية إلى انتكاسة العلاقة الزوجية، والتي أبرزت ما بات يُطلِقُ عليه بعضهم ظاهرة “زوجات على الورق فقط”.
خبراء ومختصون يرون أن فشل التواصل بين العروسين في ليلة العرس، تكرّسه مفاهيم خاطئة وحالات مرضية وتوترات نفسية وغياب الثقافة ، وهي مشكلة لا يظهر من “جبل جليدها” إلا الجزء اليسير، وتنعكس في كثير من الحالات بتفكك أسري، وتعمّق المعاناة النفسية، والتسبب في حالات طلاق وانتهاء الأسرة سريعا.
وتغلف الثقافة العربية وقيم المجتمع “ليلة الدخلة” بهالة من الخطورة والقلق، باعتبارها “شهادة اعتراف”، برجولة الشاب وطُهر الفتاة، الأمر الذي يرى فيه مختصون تربويون ونفسيون “مدعاة للقلق والاضطراب”، يعيق كثيرا من الأزواج عن إكمال تلك المهمة في هذه الليلة، لتبدأ رحلة العذاب للزوجين، التي قد تنتهي بالطلاق والتفكك الأسري السريع.
خبراء، ممن استطلعتْ “ آراءهم، يرون أن الضعفَ ا لدى الرجال، والمرتبط بالزواج وليلة الدخلة، مردّه “حالات مرضية عضوية ، أو نفسية كالخوف والرهبة والقلق، وغياب الثقافة الحقيقية”.
ويلفت أولئك الخبراء إلى أهمية الثقافة الملتزمة والوعي الاجتماعي والنفسي في تجنب العديد من المشاكل الجنسية والنفسية، واكتمال فرحة العروسين بإقامة علاقات طبيعية.
ويؤكدون أن غيابها يسبب حالة من الخوف والرهبة التي تسود لدى بعضهم في ليلة الدخلة، وتعد في مقدمة الأسباب المؤدية لمشاكل الضعف الجنسي، وهو ما حدث مع الزوجين سندس وخلدون (وهما اسمان مستعاران بناء على رغبة الزوجة في حديثها )
سندس لم تتوقع أن طموحاتها في لبس الفستان الأبيض وحياة زوجية مليئة بالفرح والحب يمكن أن “تتعكر منذ البداية”، وتدخلها وعريسها في أزمة نفسية واجتماعية شديدة، فخلدون (30 عاما) لم يمكنه خوفه وقلقه ورهبته الشديدة من الزواج و”التصورات المغلوطة المسبقة” من التواصل مع عروسه في تلك الليلة،.
خلدون، الذي دخل بفشل ليلته الأولى في دوامة من القلق والاجترار للفشل في التواصل مع زوجته، بات يبرر موقفه أمام زوجته العشرينية، بأنه “لا يعرف” ما يتوجب عليه فعله، ما أدخل علاقة المعاشرة الزوجية بينهما في غلاف من “الخوف والتوتر” في كل مرة، والذي ينعكس في فشل إكمال المعاشرة.
سندس ، وبعد مضي عامين على الزواج، ما تزال عذراء، وتقول إنها لا تلقى من زوجها طريقة مناسبة للمعاشرة الزوجية
صغر السن والخوف الشديد
ولم تبق في عش الزوجية سوى سبعة أيام. ربما لم يكن ذلك مستغربا، فهي لم تكن حينها تجاوزت السبعة عشر عاما، عندما تزوجت أحد أقربائها.
تقول (ع) إنها، وبعد انتهاء حفلة الزفاف ورجوعها لمنزلها مع زوجها، الذي يكبرها بأربعة أعوام، اكتشفت أن “اللعبة قد انتهت”. وتضيف “كنت أعتقد أنني ألعب لعبة (عروس وعريس)، لم أكن أتصور أن هناك معاشرة حقيقية يجب أن أقوم بها”.
الخوف استبدّ بـ (ع) في تلك الليلة، الأمر الذي لم يتفهمه زوجها، والذي أصرّ على الدخول بها، لكنه لم يفلح أمام قلقها وخوفها.في اليوم التالي كان همّه الوحيد القيام بهذه العملية، لكنّ خوفَ الفتاة لم يتبددْ. الفاجعةُ تعمّقت أكثر عندما صارح العريسُ المحبطُ والدَته بفشله في “إثبات” رجولته لموقف العروس السلبي.
تقول (ع) إن زوجي “قام بمسايرة والدته لإنقاذه من ورطته، لكنها سرّعت بدلا من ذلك في طلاقنا المبكر”.
وعملت الوالدة، القلقة على رجولة ابنها، على توثيق العروس، وخلع ملابسها عنوة وتحت الضرب، بل وأجبرت ابنها على أن يقوم بعملية الجماع أمامها، ليثبت للجميع بأنه رجل. لكن هذه المخططات لم تفلح، وكان نصيب الفتاة هو الطلاق المبكر، وكان على الشاب أن يتزوج بأسرع وقت ممكن ليثبت لعائلته بأن العيب ليس منه، وأنه رجل يستحق الاحترام.
البحث عن العلاج عند المشعوذين
الحالة النفسية قد تختلط بعادات وقناعات ثقافية واجتماعية تفاقم مشاكل لدى الزوجين. هذا الوضع ينطبق على حالة الشاب خالد (وهو اسم مستعار أيضا)، والذي تزوج من قبل سنوات من فتاة تصغره بنحو عشر سنوات، كانت فرحته شديدة بعروسه التي أحبها، ولكن إثبات رجولته لم يفلح في الليلة الأولى!
وما يزال خالد مقتنعا الآن، وبعد مرور سبع سنوات من الزواج، بأن تعثره في في الأسبوع الأول من الزواج، حيث عجز ، يعود إلى “حجاب” أعدته إحدى قريباته نكاية به “لعدم زواجه من ابنتها”، ما أفقده رجولته بالشعوذة والسحر الأسود!
لم يخطر ببال خالد مراجعة طبيب لمساعدته، واكتفى بالقول لكل من سأله من مقربيه وأهله أنه عندما يهمّ بالدخول بعروسه يراها “بشعة وشنعة”، رغم ما تمتلكه من جمال ونضارة، لتتشكل قناعة لديه ولدى أهله انه لا بد من وجود “عمل أو حجاب” حال بينه وبين زوجته.
مراجعة سريعة لإحدى المشعوذات أكدت لخالد هواجسه، فالسبب “عمل” بواسطة إحدى قريباته، وهي امرأة كبيرة بالسن لديها بنات بسن الزواج، من دون أن تصرّح المشعوذة –طبعا- باسم القريبة”. وصفة العلاج كانت نفسية، حيث صرفت المشعوذة لخالد “حجابا مضادا” يفك حجاب القريبة! ليدخل على زوجته واثقا مطمئن النفس لانتهاء “العمل الأسود، فتنجح العملية! وهو الآن أب لعدد من الأطفال.
أسباب نفسية
يوضح اختصاصي علم النفس د. باسل الحمداني أن عدم فض بكارة الزوجة يعود لأسباب عديدة تحتاج لتحديد طبي، لكن منها: الخوف والقلق من العلاقة الجنسية بشكل عام.
ويوضح أن “العلاقة الجنسية في العرف والتقاليد والدين هي عيب وحرام. عند الزواج يصبح، فجأة، اختراق هذا الأمر مطلوبا من الفتاة، لأنه بات يندرج تحت باب الحلال والعلاقة الطبيعية ويجب حدوثه”، لذلك، يؤكد الحمداني أن المطلوب هو أن تكون هناك شروحات وتثقيف وتوعية للفتاة والشاب قبل الزواج وليلة الدخلة، من قبل الأهل والنقاش بين الخطيبين، أو حتى اللجوء في حالات معينة إلى الطبيب المختص.
يقول الحمد اني”على الجميع أن يعلم أن العلاقة في ليلة الدخلة يجب أن يسبقها تمهيدٌ بين الزوجين، كإشاعة أجواء وحديث الحب، وتبادل الاحترام والحديث الهادئ، قبل الانتقال الى لفراش. والدخول من دون تمهيد يكون اعتباطا وتعجيلا وقد يترافق بمشاكل عديدة للزوجين”.
تصورات نمطية مغلوطة
في العديد من الحالات، تتشكل تصورات نمطية ومغلوطة في المجتمعات التقليدية وينبه الحمد اني إلى أن ثقافة الأهل واستعجالهم في قيام ابنهم بالمهمة ومتابعة تفاصيل ذلك “تضع العريس والعروس في حالة من القلق المعيق والإرباك وتصعب الأمر عليهما”.
ويجرّ عدم الاكتمال في العلاقة بالأيام الأولى للزواج، آثارا نفسية صعبة، بحسب الحمداني، الذي يشير إلى أنها تولد خلافات وكراهية بين الزوجين، إضافة إلى الإحباط والاكتئاب والقلق والعنف، ويمكن أن تجرّ إلى الخيانة، وأخيرا الطلاق إن طالت.
انفصام وعدم تفهم
الحمداني يلفت إلى “معضلة ثقافية” يعانيها الرجل العربي في العلاقة مع المرأة، ويقول “أنه يريد من زوجته أن تكون مثل والدته بأخلاقها وحنانها، وفي ذات الوقت بأن تكون في الفراش كعشيقة”.
ويدعو الى التركيز على التثقيف وتقديم النصح والمشورة للخطيبين حول العلاقات بين الزوجين، وهو أمر يمكن أن يتوفر عبر الكتب التي تتحدث عن الثقافة الجسديةواحتياجات كل من الزوجين. كما يحث على أن يفهم كل من الزوجين طبيعة جسده وحاجات شريك حياته. ويدعو الحمداني أيَّ زوجين يعانيان من مشاكل إلى مراجعة أخصائي نفسي، للحديث عن الموضوع بطريقة علمية ومريحة، وهو أمر أفضل من الاستماع للأصدقاء والأهل.
الجانب الاجتماعي
للأبعاد الاجتماعية آثار لا تقل أهمية عن النفسية والعضوية في تحديد النجاح من عدمه في ليلة الدخلة وما بعدها.
يشير د. محمد السوداني “ علوم اجتماعية “الى أن السنوات الأخيرة شهدت تغيرا في منظومة القيم والعادات والتقاليد المجتمعية بعد انتشار التعليم وتوفر فرص عمل جديدة في قطاعات مختلفة، وانتشار التكنولوجبا وتطور وتغير أساليب التنشئة، ما أفرز منظومة قيم وعادات جديدة.وينبه إلى نشوء ظاهرة التواصل الإلكتروني والفضائي، والتي حطمت بدورها الحواجز الاجتماعية قبل الجغرافية بين المجتمعات.
ويقول “تقاليد الزواج والنظرة إليه والتعاطي معه من أهم العادات والسلوكيات التي أصابها التغيير، حتى وإن كان ذلك في الشكل لا المضمون”.
يستذكرالسوداني ليلة العرس قديما، وتجمع أهالي الزوجين أمام باب غرفة العروسين في انتظار خروج العريس لإعلان رجولته أمام أهله وطهر فتاتهم. ويشير إلى أن هذه العادة “ما تزال موجودة لدى كثيرين، لكن باختلاف طرق التواصل لهذا الإعلان، وذلك بالاستفادة من التطور التكنولوجي، الذي يمكن الأسر من المتابعة للنتائج عبر الهاتف.ويرى أن الحديث الدائم عن أهمية الثقافة بهذا الجانب هو حديث شائك، ويرى أنه لا ينبغي إعطاء الاهتمام الكبير به، وذلك لأن التغيرات الاجتماعية والإعلامية والاقتصادية، ونوعية التعليم والفرص المتاحة أمام الشباب، أتاحت مجالا واسعا لبناء ثقافات عن الجسد خاصة، توفرها وسائل الإعلام الإلكترونية والفضائية، فبات الجميع على علم بهذه الثقافة، “بل على العكس أصبح تأثيرها سلبيا في أحيان كثيرة”.
خبراء: العلاج ممكن
خبراء يدعون الرجال ممن يعانون من مشكلة ضعف ، إلى مراجعة الأطباء والمختصين، لتلقي العلاج من دون خجل أو تردد، باعتبار أن “المشكلة طبية يسهل علاجها بأدوية حديثة، بعيدا عن العلاجات العشبية”. كما يحثون على عدم إغفال حقيقة أن للجانب النفسي والضغوطات الاجتماعية أثرا في انتشار الضعف بين الازواج.وبعد أن يشير الخياط إلى أن مشاكل الضعف الرجولي يمكن حلها بسهولة طبيا، فإنه يلفت إلى أن ما يصعّب علاجها هو خجل الرجل من الذهاب للأطباء المختصين، والحديث عن المشكلة، “لاعتقاده أن هذا الأمر يخلّ برجولته”.ويفتقر العراق لدراسات دقيقة حول حجم مشكلة الضعف الرجولي، لكن الخياط يشير إلى أن ثلث مراجعي أطباء الأمراض النسائية والعقم من الرجال المتزوجين حديثا يعانون من ضعف ،
دور الأسرة مهم
المرشدة الأسرية د. نجوى عارف تعتبر ليلة الفرح من أهم الليالي في حياة أي زوجين، بل وتتحدد بناء عليها مشاعر وأحاسيس ما بعد ذلك، لذلك يجب الاستعداد لهذه الليلة.
ولأجل حياة زوجية سعيدة، تدعو عارف إلى أن يكون بين العروس ووالدتها حديث مطول وصريح ما قبل الزواج بمدة، وقد يحتاج إلى أكثر من جلسة. مشيرة إلى إمكانية الاستعانة باختصاصي طبي لتوضيح الفكرة.
وتنبه عارف إلى أن اللقاء الأول “ليس شرطا أن يحدث في الليلة الأولى، فكما تكون الفتاة مضطربة ومتوترة ومنهكة، فالرجل قد يعاني من مثل ذلك أيضا، لأنه يقع تحت ضغط عائلي واجتماعي”. لذلك، تؤكد عارف انه “يمكن الاكتفاء في هذه الليلة بالمداعبة واللمس والحوار العاطفي، الذي يطمئن الزوجين.
ولا تستبعد عارف أن يواجه الزوجان صعوبة ، إما لخوف الفتاة الشديد، جراء معلومات مغلوطة، أو بسبب مرورها بتجربة سيئة أثرت عليها ، أو لنفورها من الزوج لسبب ما، أو لأنها أجبرت على هذا الزواج. لذلك، تحث عارف الأسرة للتعامل مع الموضوع بطريقة علمية وعملية، فمراجعة بسيطة لطبيب أو معالج نفسي يمكن أن تحل المشكلة تماما.
الشرع يجيز التفريق بين الزوجين
احد رجال الشرع رأي الشرع الإسلامي في هذه القضية، ويبين أن “العلة المجيزة لطلب فسخ الزواج، هي للمرأة السالمة من كل عيب، يحول دون الدخول بها، وتحول دون بنائه بها، كالجب والعنة والخصا”، ويضيف “انه لا يسمح بطلب التفريق للمرأة التي فيها عيب من العيوب كالرتق والقرن”.أما الزوجة التي تعلم قبل عقد الزواج بعيب زوجها المانع من الدخول، أو التي ترضى بالزوج، بعد الزواج، مع العيب الموجود فيه، فيسقط حق اختيارها، إلا في حالة العنة، فإن الاطلاع عليها قبل الزواج لا يسقط حق الخيار”. وحسب رجل الدين ، :”فإنْ طُلب التفريق من قبل الزوجة لوجود العيب في الزوج، فإنّ القاضي ينظر، فإنْ كانت العلة غير قابلة للزوال فيحكم بالتفريق، وإن كانت قابلة للزوال كالعنة يمهل الزوج سنة من يوم تسليمها له، أو من وقت برء (شفاء) الزوج إن كان مريضا. وللزوجة في الأحوال التي تعطيها حق الخيار أن تؤخر الدعوى أو تتركها مدة بعد إقامتها.