مازال حدث 14 تموز عام 1958 يعاني من قسمين من الاستذكارات الخائبة وهي :- 

1-  استذكارات تصدر عن حالة نفاقية 

2-  استذكارات تصدر عن حالة الجهل والمحدودية 

وهناك استذكارات موضوعية لما حدث في 14 تموز عام 1958 وراءها عقول مستنيرة تعرف كيف تفسر الحدث وكيف توظف الموقف . 

واحسب اننا عندما نسلط الضوء على الاستذكارات الخائبة ونعريها من حالتها التنكرية التي تسبب للقارئ تشويشا مصحوبا بفوضى الإسقاطات والاستعمال المرتجل للقياسات , فبعض أصحاب تلك الإسقاطات ممن كانوا يوقعون على قطع الأيادي والآذان والألسن في محكمة صدام الخاصة , ولم يكتفوا بذلك وإنما تسببوا في تدمير مستقبل كثير من الشباب العراقي عام 1987 وكانوا متزلفين لحزب صدام من عام 1968 إلى زمن سقوطه , فهل يحق لهؤلاء أن يدلوا بالمفاضلة بين العهد الملكي وغيره ؟ 

عندما نفعل ذلك نكون قد انتصرنا للاستذكارات الموضوعية من حدث 14 تموز عام 1958 .

ويهمنا تسليط الضوء على القسم المنافق من الاستذكارات الخائبة استشرافا بهدي السماء الذي شخص حالتين ينبغي مواجهتهما وهما:- 

1-  الكفار 

2-  المنافقون 

والإعراض عن الجاهلين كان ايضا توجيها سماويا ” واعرض عن الجاهلين ” وقوله تعالى عن عباد الرحمن ” وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ” .

ومن أمثلة المنافقين الذين يستذكرون 14 تموز عام 1958 بصورة خائبة , وسنعرض للإسقاطات التي يستعملونها وهم يحسبون أنفسهم من المحللين السياسيين وهم ليسوا كذلك , مثلما انطلت دعواهم على بعض الفضائيات حديثة العهد بالحقل الإعلامي وثقافته عندما طرحت باستسهال كبير مصطلحات مثل :- 

1-  خبير قانوني : تلبس بها من لا يستحقها ؟

2-  خبير موسوعي : عالم موسوعي : حيث لا موسوعية لأحد إلا لأصحاب العلم ” اللدني ” وهم المعصومون ” ودرجاتهم موصوفة ومحددة وهي :- 

ا‌-   الراسخون في العلم 

ب‌-   أهل الذكر 

ت‌-   أولي الأمر 

ونحن جميعا من أصحاب العلم ” الكسبي ” أي يتوقف حصولنا على العلم بمقدار تحصلينا وسعينا , وبما ان العلوم واسعة ولا يمكن لأصحاب العلم الكسبي الإحاطة بها جميعا , لذلك كان التخصص في العلوم حاجة تتناسب والجهد الإنساني , بل أصبح التخصص في العلم الواحد وأجزائه هو الآخر حاجة موضوعية تتناسب والاستطاعة المحدودة عند الإنسان .

ومن هنا نفهم لماذا ضج بعض المسلمين رافعين شكواهم إلى رسول الله “ص” عندما نزلت الآية الكريمة :” اتقوا الله حق تقاته ” حيث قالوا لرسول الله “ص” : يا رسول الله : لقد أمرنا بالصلاة فصلينا , وأمرنا بالصيام فصمنا , وأمرنا بالحج فحججنا , وأمرنا بالجهاد فجاهدنا , ولكن حق التقوى لا نستطيع عليه ؟ فنزلت الآية الكريمة :” اتقوا الله ما استطعتم ” 

وعندما نستحضر الآية الكريمة التي تحدد مستوى ومحدودية  بضاعتنا من العلم , قال تعالى :” وما أتيتم من العلم إلا قليلا ” 

وعندما نلقي نظرة على ما استجد لدينا اليوم من علوم الفضاء وتفاصيله , ونعرف أن هناك من المصطلحات الاختصاصية في هذا الحقل الذي يتحدى العقول البشرية بسعته وغموضه ومجاهيله التي لا تعد ولا تحصى , وهي ما يتداولها علم الفضاء على الشكل الآتي :-

1-  طب الفضاء – التغذية الفضائية 

2-  هندسة الفضاء : وفيها علوم واختصاصات كثيرة 

3-  فيزياء الفضاء : وفيها اختصاصات كثيرة 

4-  علم الفلك وفيه اختصاصات متعددة 

5-  صياد الكويكبات : وهو من احدث الاختصاصات الفضائية 

6-  المجرات والثقوب السوداء ولها اختصاص قائم بذاته 

ومثلما تعددت علوم الفضاء , كذلك تعددت علوم البحار , وهكذا نرى تجاه سعة العلوم وتعددها , ومع حقيقة محدودية الإنسان فمن التواضع أن نعترف بهذه المحدودية وان لا نغالي في المصطلحات والعناوين ونكثر من المدعيات بلا فائدة .

ومن بعض الذين أطنبوا في المدعيات ومارسوا الإسقاطات بمناسبة الحديث عن 14 تموز عام 1958 واعتبروا إن العراق الملكي كان الأكثر في إنتاج النفط في المنطقة , ثم الأكثر حضورا من تركيا وإيران وباكستان في حلف السنتو , واستمروا في تبسيط الأمور فقالوا : والأكبر من الأردن حيث كان الأردن تابعا للسياسة العراقية ؟ 

وهذه الطريقة من المقارنات غير الآخذة بزمن الحدث وتطوره هي التي تجلب القياس المرتجل الذي استبعد عند علماء المعرفة وفقه السلوك الإنساني من اتخاذه دليلا يطمئن إليه ؟ 

فالعراق كان في إحصاء عام 1947 لا يتجاوز عدد سكانه ” 5″ مليون نسمة , وفي عام 1957 كان عدد سكانه يربو على ” 7 ” مليون نسمة , واليوم في حدود “30 ” مليون نسمة , فالاستهلاك ازداد بزيادة السكان , والمتغيرات المناخية اليوم ليست كما كانت في الثلاثينات والاربعينات والخمسينات زمن العهد الملكي , وتعلق الفلاح بالأرض في تلك العقود هو غير علاقة الفلاح بالأرض اليوم وحلف السنتو صناعة استعمارية لا يفتخر بها احد , والعائلة المالكة التي استقرت في العراق بعدما نفيت من الحجاز , هي عائلة تفتقد للحيوية الاجتماعية والوطنية , نتيجة الشلل الذي عانت منه على يد من سخروها لمصالحهم ونكثوا العهد معها وهم الانكليز , ووفاة جدهم الشريف حسين نتيجة نزف دماغي تعرض له جراء الإذلال الذي مارسه معه كاتب السفارة البريطانية اليهودي في قبرص عندما أراد اقتراض مائة دولار من السفارة البريطانية ؟ 

هذه العائلة التي أصبحت في كنف الوجود البريطاني الاستعماري يسخرها لمآربه بعد ان دجنها سلوكيا فاصبح أبناؤها من أبناء سادن الكعبة المشرفة الى رواد حانات الخمور وبناتها من أولى الممارسات للسفور , فمات فيصل الأول بحادث غامض يقال وراءه بعض الهنود من سماسرة البريطانيين , ثم مات غازي ثملا بحادث سيارة , وخلا الجو لعبد الإله وصيا على العرش الذي ينتظر صبيا فتح عيناه على مطبخ تنتشر فيه قناني الخمور وعندما توج ملكا لم يعرف كيف يخطب الفتاة التي يريد ولم يعرف كيف يتزوج حتى دهمه اجله في 14 تموز عام 1958 ولم يكن ذلك الموت الدموي البشع هو من خطة وثقافة عبد الكريم قاسم وإنما من مفردات الفوضى التي صاحبت الساعات الأولى للحدث الذي فجر في النفوس هيجانا عاطفيا غير موجه بتنظيم يستحضر العقل والأساليب الحضرية .

وللحديث صلة

التعليقات معطلة