Placeholder

مـزاح لغـوي !!

في اللغة العربية ـ كما هو الحال في اللغات الأخرى ـ هناك ألفاظ تتطابق في رسمها  الإملائي وتتباين في معناها، وقد تتباين في حرف قريب النطق من حرف آخر، مثل ( الضاد والظاء)، بحيث يبدو تلفظهما واحدا، ولكن لكل لفظ معنى خاصا به، على غرار ما ورد في الاية الكريمة .. (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة)، ومعلوم عند اصحاب الاختصاص، ان موضوعات الرسم الاملائي والتلفظ والمعنى، قد دخلت عالم الشعر وفنون البلاغة، وأخذت نصيبها من عناية الباحثين، ويروي بهذا الصدد ان العلامة الراحل الدكتور مصطفى جواد، سُئل مرة (هل زوجك على قيد الحياة؟) فأجاب على الفور بطريقة ظريفة .. نعم .. هي (حية)  تسعى!! حيث وظف مفردة حية بالمعنى الطريف الذي أراد إيصاله، لان هذه المفردة تحمل أكثر من دلالة، إذ يمكن أن يراد بها (الحياة)، مثلما يمكن ان يراد بها (الافعى)، بحكم ما تتضمنه العبارة من إشارة قرآنية إلى عصا موسى عليه السلام.

حميد العلوان، صديق قديم وقريب إلى روحي، تمتد علاقتي به الى عام  1966 ايام الدراسة الجامعية ، كان مغرما بلعبة الألفاظ المتشابهة، ويحسن توظيفها لأغراض الدعابة والمرح، وكنا نحن زملاءه الطلبة من الجنسين، نستمتع بتلك الدعابات البريئة، ولا نغضب منه، ولكننا نتجنب التحرش به، لأنه يحرجنا و(ينصب) علينا ، لا لشيء، الا من اجل ان يثير جوا من المرح، اذكر مرة ـوكنا في المرحلة الأخيرة- ان العلوان عقد قرانه على إحدى زميلاتنا، بعد قصة حب عنيفة وطويلة، وقد اقمنا لهما  حفلا في نادي الكلية، وحين انتهى الحفل وجهت الزميلة كلامها إلينا (بمناسبة عقد قراني، سأحضر لكم غدا حلويات ، فما هي الحلوى التي تفضلونها؟) أربكنا سؤالها وعم الهرج والمرج وتداخلت التعليقات، هذا يقول (شعرية بالفستق) وهذا يقول (من السما) وهذا يطالب بدعوة عشاء، وهذا يريد سفره وقدر (دولمه) وثمة من كان يقول (ماكو داعي .. ليش هالخساير)، في وسط تلك الجلبة، ارتفع صوت العلوان فوق الاصوات جميعها قائلا (آني اريد بسبوسه الخاطر الله) ونطق كلمة (بسبوسه) منفصلة (بس بوسه)، وتفجر المكان بالضحك، واحمر وجه زميلتنا، ولكونها تعرف طبيعته، سرعان ما تجاوزت الموقف وردت عليه (لو تموت)، وضحكنا هذه المرة أقوى، وتندرنا من العلوان و(نصبنا) عليه!! 

يا للزمن الجميل، لا احد يغضب، الزعل ممنوع، والبراءة سيدة المواقف، ولم تتغير شخصية العلوان منذ تعرفت عليه قبل 46 سنة، وها هو في جلسة أصدقاء من أبناء جيلنا، قاربوا السعبين واشرفوا على الانقراض، وقد تخطينا جميعا حدود الانفعال في هذا العمر، على الرغم من تفاوت مشاربنا وآرائنا  السياسية، فبيننا الماركسي والليبرالي والمتدين والحزبي والمستقل، ومن هو من أنصار المعارضة أو الحكومة او عبد الكريم قاسم، أو النظام الملكي (أنا محسوب على الجماعة الأخيرة)، وكانت المناكدات على اشدها ، خاصة بين جماعة الحكومة وبين جماعة المعارضة، الا انها مناكدات لا تخرج عن اطار المزاح والمرح، وفيما كان صديقنا (ابو عدي) ـ وهو من المتحمسين جدا للحكومة يدافع بصوت مرتفع عن سياسة الحكومة ويعتبر موقفها بدون استثناء صابئة حتى تلك التي أقرت الحكومة نفسها بخطئها وتراجعت عنها… في تلك اللحظة اردت تغيير الأجواء التي سادتها روح الجدية أكثر مما تحتمل، فالتفت إلى العلوان وسألته (ما رأيك بكلام أبو عدي حول الحكومة ؟! ) وعلى الفور أجابني: انه على حق، فالحكومة (مصيبة) دائما!! وفهمنا ماذا يريد  بمفردة (مصيبة)، فلم نتمالك أنفسنا من الضحك، وكان أكثرنا ضحكا هو صديقنا أبو عدي!!

Placeholder

وكر إرهابي جديد لصناعة الموت والدمار .. قندهار الشرق الأوسط

لقد تاه قوم النبي موسى في وديان سيناء أربعين عاماً, وسيتيه قوم الرئيس مرسي في كهوفها العمر كله, فقد دخلت سيناء في أجندات القوى الشريرة, ورشحتها الدوائر المخابراتية لتؤدي دور البديل لأوكار قندهار في الشرق الأوسط, أو لتكون الأرض الموعودة للفلسطينيين بقرار يصدر عام 2017 بعد مرور قرن من الزمان على وعد بلفور, الذي أطلقه رئيس وزراء بريطانيا الأسبق (آرثر جيمس بلفور) في الثاني من تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 1917, في رسالة بعثها إلى اللورد (ليونيل وولتر دي روتشيلد), والتي سجل فيها عبارته الباطلة: ((أرض بلا شعب لشعب بلا أرض)). . 

جاء الوعد المشؤوم بعد مرور عام واحد على توقيع معاهدة (سايكس – بيكو), التي قطعَّت أوصال العالم العربي بمقص التقسيم النفطي, وها نحن اليوم نقف على بعد بضعة أعوام من تطبيقات صيغة جديدة لمعاهدة (سايكس – بيكو) معدلة, ستوقعها القوى الغاشمة عام 2016 لتعيد تقطيع أوصال العالم العربي بمقص التقسيم الغازي, أما شبه جزيرة سيناء فسيكون مصيرها مثل مصير فلسطين, باعتبارها الأرض التي سترثها المليشيات المرتحلة من قندهار والمليشيات الفتية المتشكلة بعد بزوغ فجر الربيع الهمجي, وربما تُقتَطَع منها بعض الأجزاء لاستقبال التجمعات العربية التي ستعلن الهرب من بوابات الجحيم في غزة, بسيناريو مكتوب على جبين التخاذل العربي في زمن الولاءات البنتاغونية الرخيصة.    

 

فهل ستكون سيناء وطنا بديلا للفلسطينيين المهجرين بالقوة من غزة؟, أم إنها ستكون نواة لإمارة إسلامية أكثر تطرفا وتشددا من إمارة طالبان في قندهار؟, وهل ستكون وكرا خبيثا يستفز الشرق الأوسط برمته؟, أم سداً منيعاً يوفر الأمن والأمان لتل أبيب؟. 

لو تتبعنا حكاية أوكار سيناء من بدايتها لوجدنا أن المافيات الجهادية المسلحة تشكلت فيها عام 2002 , وعلى وجه التحديد في الطرف الشمالي منها بقيادة (خالد بن مساعد), وكانت تسعى لإقامة إمارة إسلامية ببنادق ومتفجرات عناصر حركة (التوحيد والجهاد), التي باشرت بتنفيذ مشروع العنف المسلح بتفجيرات (طابا 2004), وتفجيرات (شرم الشيخ 2005), وتفجيرات (دهب 2006), وتفجيرات (المشهد الحسيني 2009), وكانت تضم بعض العناصر المصرية الشرسة, من أمثال (خلف مصطفى). . 

من المفارقات العجيبة المشجعة على تشغيل مراجل العنف في جزيرة الأساطير الفرعونية, إن الحكومة المصرية الجديدة تفكر جديا بمشروع تسليح القبائل البدوية المستوطنة في سيناء بذريعة مساعدتها في حفظ الأمن واستعادة الاستقرار, فالبناء والتعمير يخرج عندنا من فوهات البنادق ومواسير القاذفات, وقد أكد وزير الداخلية المصرية على استعداد بلاده لتدريب أبناء القبائل, وتزويدهم بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة, في حين أبدت القوى السياسية العاملة في سيناء مخاوفها من النتائج الكارثية للتسليح العشائري, وعبرت عن خشيتها من تجدد النزاعات القبلية, والعودة بشبه الجزيرة إلى عصور الجهل والتخلف بإشاعة الفوضى في الجبال والوديان, وبالتالي فإن المشروع يعبر عن اعتراف الحكومة المصرية بعجزها عن حفظ الأمن, واغلب الظن إن هناك بعض القوى التي تريد جر قبائل المنطقة لخوض الحروب الأهلية, وتخطط لإغراقها في مستنقعات المافيات الجهادية المسلحة, التي ستتخذ من الجزيرة مركزاً إقليمياً لها, بالاتجاه الذي يؤهلها لأداء دور البديل العربي لقندهار, وسيأتي اليوم الذي تخرج فيه المجاميع المسلحة من مكامنها لتمنع مرور السفن والناقلات في قناة السويس, أو لتمنع مرورها في مضيق تيران وخليج العقبة, فتكتمل حلقات المنغصات الدولية المبرمجة ابتداءً من مضيق هرمز وانتهاءً بالسويس وتيران مرورا بالقرن الأفريقي ومضيق باب المندب, عندئذ ستتوفر لأمريكا المبررات والمسوغات لتوسيع قواعدها الحربية في الشرق الأوسط, والتدخل المسلح في شؤون المنطقة بذريعة الحفاظ على الاستقرار العالمي, وحماية الممرات الملاحية الدولية. . .

 وقفة 

الفتن التي تتخفى وراء قناع الدين تجارة رائجة جداً في عصور التراجع الفكري للمجتمعات. .

أبن خلدون

Placeholder

فاليوم/ 5

المحاولة الناجحة -في أي منحى من مناحي السلوك البشري- تؤدي الى سلسلة من التجارب الناجحة حيث تكون مدعومة بثبات وتطوير تلك المحاولة، وهذا ما تؤكده -بلا استثناء- كل مدارس علم النفس في مجال تفسيرها وتحليلها لعمليات التعلم التي يتعرض اليها الانسان طيلة مسيرة حياته من(المحبرة) الى (المقبرة)أي بمعنى وآخر(من المهد الى اللحد)، وتتفق عليه كل نظريات تلك المدارس -من حيث الجوهر وليس المظهر- على ما أردنا البدء به مدخلا علميا وعمليا لمفارقة (أي نعم مفارقة) صادفتني قبل أيام، حيث كنت قد طلبت -كعادتي ومنذ سنوات- من إحدى الصيدليات المنتشرة في قلب شارعنا التجاري- حيث أسكن أنا في حي الأمين/المشتل- والمسمى بـ(شارع المطبك) علبة من حبات (فاليوم/خمسة) وذلك لحاجتي إليها كمهدئات أولية، بسيطة تريح أعصابي باللجوء النوم أو التخلص من ثقل الحياة وهموم الكتابة وروتينيات الواجبات اليومية، كذلك محاولات تناسي ونسيان معضلة الكهرباء الوطنية، ففاجئني جواب الرجل الوقور بشعره الأبيض كنديف القطن من وراء (كاونتر) صيدلية حملت اسم(سهير محمد غني)، ولا علاقة-طبعا- لهذا الاسم بالنحات الراحل الكبير (محمد غني حكمت)، بل مجرد تشابه أسماء، بعدم الاستجابة لطلبي وإعطائي علبة الفاليوم كاملة إلا بوصفة من الطبيب، وحين رأى الدهشة  تغطي وجهي الذي يراه لأول مرة، كما أني لم أتعامل مع هذه الصيدلية من قبل، حاول أن يتدارك الأمر بابتسامة مؤدبة جدا وقال: أستطيع أن أعطيك شريطا واحدا كقضاء حاجة وتمشية حال، الدواء يجب أن يصرف بوصفة طبية.!!

    من يصدق حجم فرحتي وسعة سعادتي لحظة وقوفي أمام رفض ذلك الرجل لطلبي الذي ظننته بسيطا جدا، والذي سرعان ما اعاد تنشيط خلايا ذاكرتي التي أخذتني الى حيث كانت وزارة الصحة في السبعينات والثمانينات تقوم بتقديم جدولا يوميا بالصيدليات الخافرة في بغداد والمحافظات، عبر نشرة الأخبار اليومية من الإذاعة والتلفزيون ونشرها في الصحف اليومية، وكانت تفرض عقوبات رادعة لكل من لا ينصاع من أصحاب تلك الصيدليات التي كانت تقدم خدماتها على مدار اليوم -ليلا ونهارا- للالتزام بتلك الجداول، خدمة للصالح العام.

  كم أفاض رفض ذلك الرجل الوقور بموقفه المهني هذا واحترامه المهذب لخبرة الطبيب وعدم التساهل بمقومات الصحة العامة، مهما بلغت من درجات الوعي البيسط بها، في نفسي حالات من الزهو والحرص أمام ما نلمس ونسمع ونرى من محاولات غض النظر، بل التساهل وعدم الاكتراث من قبل أعلى مستويات المسؤولية في قضية الحد من تناول الأدوية والمنشطات والمهدئات والحقن الخاصة ببناء الأجسام جزافا ومن دون وعي بخطورة مثل هذه الممارسات التي تتبعها أغلب القاعات الرياضية، فضلا عن ظاهرة انتشار بيع المخدرات في قلب ساحات المدن الرئيسية والأسواق العامة، من دون رادع حقيقي يكف ويمنع عن شبابنا تواصل زحف أشباح وكوابيس ومخاطر تفشي ممارسات شاذة ولا صحية تهدد مستقبلنا البلاد بالهلاك، نحن -بحق- بحاجة ماسة لمثل مصدات ذلك الصيدلاني بمفهومية واجبه المهني والأخلاقي….يا جماعة الخير.

Placeholder

الربيع العربي والمفاهيم المغلوطة ولعبة الأمم

كان المفكر الجزائري مالك بن نبي رحمه الله يقول بالقابلية للاستعمار، وذلك في تحليل الواقع العربي في تلك الأيام سواء في الجزائر أم في غيرها من المنطقة العربية والإسلامية. والقابلية على الاستعمار تعني في ما تعنيه: “التقليد” من قبل القابل وهو المنفعل المتأثر بدون وعي، وتعني “المصدر” وهو صاحب الخطة والفعل. مازالت منطقتنا تتمثل بالقابلية للاستعمار حتى أيامنا هذه برغم كل ما يقال عن الأفكار الإسلامية، والأفكار القومية، والأفكار الاشتراكية بصيغتها اليسارية، ثم افكار الموجات الثقافية مثل الوجودية والتقليعات التي صاحبت ظهور المسرح ذي الجذور الأوربية، ومدرسة الشعر الحر التي تزعمها ت. س إليوت وتأثر بها بعض المثقفين العرب 

رئيس مركز الدراسات والأبحاث الوطنية

ALITAMIMI5@yahoo.co

         فكان للأدباء العراقيين حضورا اخذ طابع الريادة من خلال مجموعة السياب – نازك الملائكة – عبد الوهاب البياتي.

وما يسمى بالربيع العربي نقل إلينا كما نقلت رزمة المصطلحات والأفكار الغربية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وتلقفها من لم يكن رصيده الثقافي متوفرا على معرفة الأبعاد والخلفيات التي تقف وراء ذلك المصطلح أو تلك الأفكار.

إن الفوضى الثقافية في المجتمع العربي هي البيئة الخصبة لنمو وانتشار الأفكار السياسية التي تحركها السفارات والقنصليات الأجنبية في المنطقة العربية والإسلامية.

ماذا يعني ان يكون كادر السفارة الأمريكية في بغداد بحدود عشرين الف موظف من مختلف العناوين والمهمات؟

ومثلما نقلت إلينا فكرة المدارس عبر المستر “جيب” في بداية القرن العشرين، وهي فكرة جيدة من حيث التأسيس التعليمي للمعرفة ولكنها مشروع للتغلغل في المنطقة ونشر الافكار التي تحمل مشاريع لا تنتمي للمنطقة الا من حيث الشكل الظاهري.

ومثلما اصبح التعليم مشروعا للاختراق بدل ان يكون مشروعا للتنمية، ومثلما اصبحت الاذاعة والتلفاز والمسرح هو الآخر مشاريع للاختراق بدل ان تكون مشاريع لاستكمال الهوية.

كذلك اصبحت الدولة والحكومة ظاهرة للانفصال عن المواطن وحاجاته وتطلعاته، لان مشروع الدولة في منطقتنا تحكمت به اجندات أجنبية منذ مايقرب من ثلاثمائة سنة، وهو تاريخ قدوم اولى جماعات الاستطلاع الأوربي التي شكلت لاحقا مشروع الاستعمار الأوربي الذي لعبت أدواره كل من:

1- اسبانيا

2- البرتغال

3- بريطانيا التي سميت في تلك الأيام ببريطانيا العظمى

4- فرنسا

5- ألمانيا

6- امريكا والتي لعبت الدور المهيمن منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية ومازالت الى اليوم بيدها مقاليد الأمور، يساعدها في ذلك كل من:-

7- تقدم علمي في كل المجالات ولاسيما في الفضاء وبرنامج حرب النجوم هو من منطلقات مفهوم السيطرة على العالم.

8- ثقافة مؤسساتية تعتمد على:-

أ- ثقافة اجتماعية، فيها التعليم والصحة والغذاء

ب‌- ثقافة سياسية

ت‌- ثقافة أمنية

ث‌- ثقافة اقتصادية: تقوم على التخطيط الذي يتخذ من البنوك والشركات الكبرى منطلقا للاستثمار.

9- ثقافة تاريخية تعتمد الفهم التوراتي الذي يتبناه المسيحيون الصهاينة اتباع الكنيسة الانكلوكانية المتطرفة وهي التي يقوم بعض القساوسة المتطرفين فيها بالاستهانة بالقرآن الكريم والقس المدعو “تيري جونز” هو من اتباعها وهم لا ينتمون الى الفاتيكان.

والاستعمار الجديد اليوم تمثله أمريكا وان لم تعلن ذلك مثلما كانت تفعل اسبانيا ثم البرتغال ثم بريطانيا التي أخذت شهرة الاستعمار واليها نسبت كل مظاهره.

والذين يتحدثون في منطقتنا وفي العالم من دول وشعوب مغلوبة على امرها عن الاستعمار ينسون مفهوم: “تداول السلطة” وشروطه موضوعيا من حيث العوامل التالية:-

1- وجود الهدف: الذي أصبح حاضرا عند الدول والشعوب التي تقدمت في مضمار كل من:-

ا‌- الصناعة

ب‌- السياسة

ت‌- التعليم

ث‌- الصحة

2- التنظيم والتخطيط: وهو ميزة من ميزات الدول والشعوب المتقدمة، بينما بقيت شعوبنا العربية والمسلمة تفتقد في حياتها إلى ظاهرة “الهدفية في الحياة” وظاهرة “التنظيم والتخطيط” في حين ان ثقافة القران الكريم تقوم على “وتلك الايام نداولها بين الناس”.

وظاهرة التداول بين الناس هي ظاهرة تداول “القوة ” و “الغلبة” بمعناها الانساني الحضاري من احكام السيطرة على الطبيعة وتذليل المصاعب امام الفرد والمجتمع بما يسرع من وتيرة التنمية والبناء وتحقيق الرفاهية والعدالة للجميع، وليس ان تستعمل “القوة” و” الغلبة ” للقهر وتسخير الاخرين وتهميشهم وسلب خيراتهم كما فعلت دول الاستعمار القديم والحديث، وكما فعلت امريكا في العراق حيث مسخت الدولة العراقية وصنعت لها الاعاقة والشلل الذين مازال العراق يعاني منهما وتركته يعاني من أغلال الفصل السابع التي تسلب السيادة وتربك التوازن لدى الدولة التي تصبح تحت بنود الفصل السابع وهو مفهوم من مفاهيم الاستعمار الجديد الذي وضع بمكر ودهاء في أروقة مجلس الامن الدولي، ليصبح تهديدا لما يسمى بالدول المارقة، ودعوات أمين عام الجامعة العربية نبيل العربي المتكررة لتطبيق بنود الفصل السابع على دولة عربية هي سورية تدل على مدى استلاب الهوية الوطنية والكرامة لدى من اصبح خاضعا لتنفيذ لعبة الامم واداة من ادوات الدول الكبرى التي تعتمد مفهوم المغالطات في كل من:-

1- الديمقراطية وشعاراتها: حيث تسعى لديمقراطية ظاهرية في بلدانها ينخدع فيها الكثير، ولا يعرف عيوبها الا القليل ولذلك انتبه بعض رجالات ومفكري تلك الدول مثل امريكا وبريطانيا وفرنسا وكتبوا الكثير من الانتقادات للنظام الديمقراطي وللطريقة التي تعتمدها الدول التي ترفع شعار الديمقراطية والحرية ولكنها تطبقه بطريقة تنسجم مع مصالحها فقط ومن الامثلة على ذلك ماجرى للمفكر الفرنسي “غارودي” عندما انتقد سياسة التحيز لإسرائيل من خلال مايسمى بالعداء للسامية ومذبحة اليهود، وتبرئة اليهود من دم السيد المسيح، فما كان من الدولة الفرنسية الا ان اعتقلت ” غاودي ” ومنعت كتبه من التداول. وما حدث للسيدة “سوزان” الامريكية التي شغلت منصب معاون في مديرية استخبارات البنتاغون في عهد السيد جورج بوش الابن والتي اكتشفت مغالطات وعدوانية الحرب على العراق، فرفضت الخضوع لتلك المغالطات فكانت نتيجتها ان عزلت من منصبها واعتقلت لمدة خمس سنوات بدون محاكمة. كل ذلك وغيره الكثير مما يجري تحت شعار ” الديمقراطية “والحرية” و “وحقوق الإنسان”.

2- حقوق الانسان: وهو الشعار الذي سقط في العراق.

وما جرى في العراق من خلال الاحتلال الامريكي من تطبيق ديمقراطية مشوهة وغير حقيقية فرضت على الشعب العراقي حتى اصبح العمل السياسي في العراقي مشلولا ومشروع الحكم فاشلا، واحداث سجن ” ابو غريب ” في بغداد و”سجن بوكا” في البصرة هي من الشواهد العملية على بطلان مدعيات الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وعندما تسقط شعارات الديمقراطية وشعارات حقوق الانسان من قبل من يدعي بها ولاسيما امريكا وبريطانيا وفرنسا فان مفهوم المغالطة يصبح هو الاكثر حضورا فيما سمي بالربيع العربي الذي دغدغ أحلام الشباب في العالم العربي والإسلامي قبل غيرهم نتيجة كساد وترهل وفشل الأنظمة في المنطقة العربية والتي تتولى تلك الدول الكبرى رعايتها وتبيح لها استعمال السطوة على مواطنيها مادامت تلك الانظمة خاضعة وتابعة للسياسة الامريكية التي تعتمد على توفير الامن والامان للدويلة الصهيونية التي تحتل ارض فلسطين وتهجر شعبها، وما استعمالات الفيتو التي بلغت ستين فيتو من اجل عدم المساس بالدولة الاسرائيلية وتركها تلعب بمقدرات الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة على مزاجها الخاص ورغبتها المولعة بالاستيطان ومحو هوية المواطن الفلسطيني صاحب الحق بالارض، بينما نجد ان الدبلوماسية الامريكية بشخص وزيرة خارجيتها السيدة كلينتون وبشخص ممثلتها في الأمم المتحدة تعتبر أن الفيتو الروسي والصيني في مجلس الأمن الدولي ضد تمرير عقوبات على الدولة السورية هو مما يدعو للغثيان والاشمئزاز.

وهنا تتجلى صورة المفاهيم المغلوطة من قبل صناع ما يسمى بالربيع العربي ولذلك تحول الربيع العربي وبسرعة الى صيف لاهب وشتاء قاحل وخريف لا يحمل الا الجفاف من خلال الأحداث التالية:

1- نشوب صراع قبلي ليست له نهاية منظورة في ليبيا ومن معالم هذا الصراع القبلي الليبي الذي لم نكن نتمناه للشعب الليبي الذي عانى كثيرا وعلى مدى “42” عاما من حكم القذافي صاحب الكتاب الاخضر الذي يعتبر بدعة الافكار التخريبية ومثال الانحطاط الثقافي والهزيمة التاريخية للانظمة الاوليكارية الدكتاتورية، وهذا الكتاب قام مسؤول احد احزاب المعارضة العراقية في التسعينات بترجمته للغة الكردية وقدمه للقذافي تملقا وتزلفا فمنحه القذافي خمسة ملايين دولار أمريكي وهذا الرجل هو اليوم يحتل منصبا سياديا في الدولة العراقية التي حرص الاحتلال الأمريكي على تشويهها فاصبحت عاجزة عن حماية اجوائها ولا تعرف كيف تتعامل مع الطيران الذي يمر بسمائها، ولا تحسن ادارة التراخيص النفطية للشركات الأجنبية، وتخشى من الاقتراب مما سمي ظلما وزورا بالمناطق المتنازع عليها، وتبقى حدوها الشمالية مع تركيا نزهة للطيران التركي وملاذا لحزب العمال الكردي التركي “PKK” ولا تحسن التخطيط لمشاريع الاستثمار ولم تكتشف سر ولغز الكهرباء التي تحولت الى احجية من احاجي دهاليز السياسة المظلمة في العراق، كل ذلك حدث ويحدث من خلال المغالطة المتعمدة في مفهوم الاعمار والبناء والتنمية التي اشرفت عليها الولايات المتحدة الأميركية المدربة على استغلال سذاجة الشعوب وعدم نضجها الثقافي والسياسي في المجالات كافة.

2- ارباك الحياة السياسية في تونس وأحداث مدينة ” سيدي بو زيد ” الاخيرة والتي قام سكان المدينة بطرد المحافظ المحسوب على الاحزاب السلفية التي وصل تطرفها الى ان يقوم راشد الغنوشي زعيم حزب النهضة الاسلامية في تونس.

3- العمل على افراغ الثورة المصرية والتي عرفت بثورة التحرير من محتواها من خلال اللعب على دور العسكر ودور الاحزاب السلفية والتي يتقدمها “الاخوان المسلمون” الذين لم يحسنوا ادارة التحرك الشعبي في لحظاته الاولى رغم خبرتهم وتاريخهم الجهادي الطويل ضد الانظمة في مصر، كل ذلك حدث في مصر من خلال سياسة المفاهيم المغلوطة لمن يقف خلف ما سمي بالربيع العربي الذي تلقفه البعض بدون وعي ومشى به البعض الاخر بدون خبرة، وشارك فيه البعض لغايات ومصالح شخصية مستغلين حاجة الشعب المصري للتغيير والحرية والكرامة السيادية التي سرقتها معاهدة “كامب ديفيد” لصالح إسرائيل والتي جعل منها صناع الربيع العربي شرطا لضمان الأمن الإسرائيلي، وعلى ضوء ذلك جرت الاتفاقات السرية مع أحزاب التيار الإسلامي في مصر والذين لم نكن نتمنى لهم أن يعرضوا تاريخهم الجهادي وثقافتهم العقائدية التي تنتمي الى شورى الحكم والسلطة والخلافة والدعوة والإرشاد من اجل الحصول على دور محدود في السلطة، وهو نفس الخطأ الذي وقعت فيه أحزاب التيار الإسلامي في العراق التي اصبحت تعرف بأحزاب السلطة، فلم تضمن السلطة بمعانيها الدستورية، ولم تحظ بقبول الناس مما جعلها تفتقد الشعبية الحقيقية التي استعاضت عنها بشعبية محدودة وانتهازية مسخت كل معاني الولاء والريادة التي يحققها مفهوم الشورى وولاية الأمر المبنية على قاعدة علمية تنتمي لبوصلة السماء صاحبة “الاصطفاء” الذي لا ترد خياراته عند أهل العقول واصحاب الفهم الذي تتميز به النفوس المطمئنة التي تعرف ربها أولا وتعرف مجتمعها ثانيا وتسخر خدمتها المجردة لصالح الناس فتختصر مفاهيم الشورى والديمقراطية في حزمة من العمل الذي تتجذر شعبيته بعيدا عن الادعاء والمغالطات كما يحدث اليوم فيما سمي بالربيع العربي المملوء بالمغالطات التي تشهد عليها محنة الشعب البحريني المسالم، ومحنة الشعب اليمني الذي ضيعوا انتفاضته الشعبية بتدخل الإرادات الخليجية المصنعة أميركيا والمرضية إسرائيليا بدليل دعوتهم الى دول المغرب والأردن الى الانضمام الى مجلس التعاون الخليجي وهي مفارقة تنظيمية وسياسية وجغرافية تجعل من حجم المغالطات ظاهرة متضخمة تنتظر الانفجار.

4- العمل على جعل الدولة السورية التي تنتمي إلى محور الممانعة والمقاومة كبشا للفداء ومحورا لتجميع كل مغالطات مفاهيم الربيع العربي المستنسخة بإرادة أمريكية وبتحالف اوربي إسرائيلي وبتبعية لكل من:

ا‌- حكومة اردوغان التي يعارض سياستها تجاه سورية 80|0 من الشعب التركي والتظاهرات التي عمت مدن انقرة واسطنبول وهاتاي، وغازي عين تاب هي من الشوهد على ذلك، والتي وصل سوء التقدير للموقف عندها الى ما يجري من تحشيد لقواتها على الحدود السورية ومن علائم فشلها في تبني ما يسمى بالجيش السوري الحر الذي تدفع رواتبه السعودية وتمده بالسلاح قطر عبر حكومة اردوغان وهؤلاء الثلاثي شكلوا مثلت المفاهيم المغلوطة في التحرر والديمقراطية، ويأتي في مقدمة من يقود المفاهيم المغلوطة امريكا وفرنسا وبريطانيا التي رشقت المحتجين في لندن بالرصاص المطاطي مثلما منعت فرنسا قيام تظاهرة للسوريين المقيمين في فرنسا لتأييد النظام السوري فهل هذه هي الديمقراطية التي يبشرون بها، ومثلها ما قامت به مجاميع المعارضة السورية في القاهرة من الهجوم على وفد المثقفين والصحفيين والفنانين السوري الى الجامعة العربية عندما هجموا عليهم بالعصي والحجارة فهل هذه هي ديمقراطية الربيع العربي. واخيرا ماصرح به هذه الايام بان كي مون امين عام الامم المتحدة في زيارته لفرنسا وظهوره في مؤتمر صحفي مع الرئيس الفرنسي هولاند والذي دعا فيه الحكومة السورية الى وقف اطلاق النار من جانب واحد. فهل يعقل ذلك. هذه هي بعض مغالطات مفاهيم الربيع العربي التي اشعلت الفتنة وتصر على عدم اخمادها لغايات هي تعرفها جيدا ويجهلها الكثير لاسيما المدفوعون بالحس الطائفي، والحكومة التركية اليوم يظهر عجزها في عدم قدرتها على استحصال اجماع دولي على دعمه وعدم قدرتها على توحيد المعارضة السورية، ويعود كل ذلك الى تبني حكومة اردوغان دعم التنظيمات الارهابية التي تضم مرتزقة من شتات لايجمعها مفهوم ومصداق الثورة السورية مثل المقاتلين من ليبيا وتونس والشيشان وأفغانستان ومصر والسعودية والاردن وتركيا كل هذا الخليط غير المتجانس والذي كان سببا في دمار احياء المدن السورية في حمص وحلب ودمشق وحماة وادلب ودير الزور ودرعا والمواطن السوري وحده الشاهد الحقيقي على مايحصل في سورية بينما تعمل دول صناعة مايسمى بالربيع العربي ومن معهم ممن خانتهم بوصلة الجهاد والنضال الحقيقي واستمرئوا الدعم الاجنبي الذي تختفي ورائه ارادات متكررة متفقة على تقسيم العالم العربي والاسلامي منذ مايزيد على ” 300 ” سنة ترجمتها معاهدة سايكس بيكو منذ قرن من الزمان ووعد بلفور الذي تم تحقيقه عام 1948 باحتلال فلسطين وتهجير ارضها، وحرب عام 1956 التي عرفت بحرب قناة السويس، وحرب عام 1967 التي عرفت بنكبة حزيران، ثم حرب مايسمى بتحرير الكويت والتي فتحت شروخا في جسم الامة وتشوهات في ثقافتها لما تندمل بعد، ثم حرب مايسمى زورا بتحرير العراق عام 2003 ثم جاءت الطامعة الكبرى بموجة التخريب العام والشامل فيما سمي بالربيع العربي وهو تضليل جديد وغطاء لاستكمال مخطط الشرق الاوسط الجديد والفوضى الخلاقة التي جعلت من لعبة الامم ممارسة مبنية على الدهاء والمكر لايعرف اسرارها الا من اوتي بصيرة ثاقبة وفهما عميقا للامور والأحداث لا يتأثر بالترسبات الطائفية التي اصبحت تمثل جيولوجيا بعض الافكار المتحجرة مثلما تمثل جغرافيا التصحر الثقافي والروحي الذي ما حل بأمة او شعب الا وجعله مسخا ونسيا منسيا وهذا ما يحدث اليوم في منطقتنا، حيث استطاعت لعبة الامم تحويل الربيع العربي الى سقيفة جديدة تشوه فيها الافكار وتعطل فيها العقول وتغير فيها الحقائق، وتستبدل فيها الارادات الى حيث تكون ارادة الشر هي الحاكمة، والا كيف تدمر الدولة العراقية بالاحتلال وتصنع لها بؤر سياسية فاسدة، وكيف تصبح مصر غير قادرة على حماية جنودها في سيناء الذين أصبحوا يغار عليهم من قبل مايسمى بالجماعات الاسلامية السلفية، وتفرض عليها إسرائيل عدم تحريك المعدات الثقيلة في سيناء، وكيف ولمصلحة من وبأي فهم سياسي يتحدث السيد محمد مرسي رئيس مصر المنتخب بالربيع العربي عن انه لا يهدأ له بال حتى يتحرر الشعب السوري ويسقط بشار الاسد، ونحن هنا لا ندافع عن بشار الاسد كما يحلو للبعض من محدودي الفهم السياسي، ولكننا نقول ان الشعب السوري لم يخول أحدا منا للحديث عنه ولكنه يطالبنا بالإنصاف وتقييم موقفه والنظر بتجرد الى ما يحل به، والشعب السوري له علماؤه ومفكروه الذين يتحدثون عنه مثل: الشيخ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي رئيس رابطة اتحاد علماء بلاد الشام وامام الجماعة في المسجد الأموي في دمشق والمفكر الدكتور علي الشيعبي الذي كان ينتمي للاخوان المسلمين سابقا وانا كمراقب للحدث السوري ارجح رأي هؤلاء الاكثر علما وخبرة والاكثر حضورا في الوسط السني السوري ولا ارجح أقوال وتصريحات بعض المشايخ في الفضائيات المضللة المتحيزة ضد الشعب السوري إعلاميا وسياسيا اولا لقلة معرفتهم الفقهية وثانيا لتاريخ بعضهم المشوش ومما يساعدني في ذلك انني ارتبطت مع بعض الشرائح السورية بعلاقات اجتماعية تاريخية يوم كنت طبيبا شرعيا في مستشفى مدينة دوما من ضواحي دمشق وطبيبا في مديرية صحة دمشق احمل هوية رقمها ” 13″ في تسلسل اطباء مدينة دمشق، وارتبط بعلاقات اخوية مع بعض عوائل حمص ولذلك عندما تعرضوا لتدمير بيوتهم وتهجيرهم الاضطراري استضفتم في منزلي في العراق فهل يحق لاحد ان يساوم على علاقتنا وموقفنا من اهلنا في سورية، لذلك عندما نتحدث عن الحدث السوري نمتلك التفاصيل مثلما نمتلك المفردات العلمية في الفقه والرواية التي تنظر لما يقع من احداث وتعطيه التوجيه والتفسير الذي لايغادر حقائق الاشياء ولا يظلم الناس وينصف اصحاب المواقف المختلفة، وهذا مما لاتاخذ به لعبة الامم اليوم لاسيما فيما يسمى بالربيع العربي.

Placeholder

مـزاح لغـوي !!

في اللغة العربية ـ كما هو الحال في اللغات الأخرى ـ هناك ألفاظ تتطابق في رسمها  الإملائي وتتباين في معناها، وقد تتباين في حرف قريب النطق من حرف آخر، مثل ( الضاد والظاء)، بحيث يبدو تلفظهما واحدا، ولكن لكل لفظ معنى خاصا به، على غرار ما ورد في الاية الكريمة .. (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة)، ومعلوم عند اصحاب الاختصاص، ان موضوعات الرسم الاملائي والتلفظ والمعنى، قد دخلت عالم الشعر وفنون البلاغة، وأخذت نصيبها من عناية الباحثين، ويروي بهذا الصدد ان العلامة الراحل الدكتور مصطفى جواد، سُئل مرة (هل زوجك على قيد الحياة؟) فأجاب على الفور بطريقة ظريفة .. نعم .. هي (حية)  تسعى!! حيث وظف مفردة حية بالمعنى الطريف الذي أراد إيصاله، لان هذه المفردة تحمل أكثر من دلالة، إذ يمكن أن يراد بها (الحياة)، مثلما يمكن ان يراد بها (الافعى)، بحكم ما تتضمنه العبارة من إشارة قرآنية إلى عصا موسى عليه السلام.

حميد العلوان، صديق قديم وقريب إلى روحي، تمتد علاقتي به الى عام  1966 ايام الدراسة الجامعية ، كان مغرما بلعبة الألفاظ المتشابهة، ويحسن توظيفها لأغراض الدعابة والمرح، وكنا نحن زملاءه الطلبة من الجنسين، نستمتع بتلك الدعابات البريئة، ولا نغضب منه، ولكننا نتجنب التحرش به، لأنه يحرجنا و(ينصب) علينا ، لا لشيء، الا من اجل ان يثير جوا من المرح، اذكر مرة ـوكنا في المرحلة الأخيرة- ان العلوان عقد قرانه على إحدى زميلاتنا، بعد قصة حب عنيفة وطويلة، وقد اقمنا لهما  حفلا في نادي الكلية، وحين انتهى الحفل وجهت الزميلة كلامها إلينا (بمناسبة عقد قراني، سأحضر لكم غدا حلويات ، فما هي الحلوى التي تفضلونها؟) أربكنا سؤالها وعم الهرج والمرج وتداخلت التعليقات، هذا يقول (شعرية بالفستق) وهذا يقول (من السما) وهذا يطالب بدعوة عشاء، وهذا يريد سفره وقدر (دولمه) وثمة من كان يقول (ماكو داعي .. ليش هالخساير)، في وسط تلك الجلبة، ارتفع صوت العلوان فوق الاصوات جميعها قائلا (آني اريد بسبوسه الخاطر الله) ونطق كلمة (بسبوسه) منفصلة (بس بوسه)، وتفجر المكان بالضحك، واحمر وجه زميلتنا، ولكونها تعرف طبيعته، سرعان ما تجاوزت الموقف وردت عليه (لو تموت)، وضحكنا هذه المرة أقوى، وتندرنا من العلوان و(نصبنا) عليه!! 

يا للزمن الجميل، لا احد يغضب، الزعل ممنوع، والبراءة سيدة المواقف، ولم تتغير شخصية العلوان منذ تعرفت عليه قبل 46 سنة، وها هو في جلسة أصدقاء من أبناء جيلنا، قاربوا السعبين واشرفوا على الانقراض، وقد تخطينا جميعا حدود الانفعال في هذا العمر، على الرغم من تفاوت مشاربنا وآرائنا  السياسية، فبيننا الماركسي والليبرالي والمتدين والحزبي والمستقل، ومن هو من أنصار المعارضة أو الحكومة او عبد الكريم قاسم، أو النظام الملكي (أنا محسوب على الجماعة الأخيرة)، وكانت المناكدات على اشدها ، خاصة بين جماعة الحكومة وبين جماعة المعارضة، الا انها مناكدات لا تخرج عن اطار المزاح والمرح، وفيما كان صديقنا (ابو عدي) ـ وهو من المتحمسين جدا للحكومة يدافع بصوت مرتفع عن سياسة الحكومة ويعتبر موقفها بدون استثناء صابئة حتى تلك التي أقرت الحكومة نفسها بخطئها وتراجعت عنها… في تلك اللحظة اردت تغيير الأجواء التي سادتها روح الجدية أكثر مما تحتمل، فالتفت إلى العلوان وسألته (ما رأيك بكلام أبو عدي حول الحكومة ؟! ) وعلى الفور أجابني: انه على حق، فالحكومة (مصيبة) دائما!! وفهمنا ماذا يريد  بمفردة (مصيبة)، فلم نتمالك أنفسنا من الضحك، وكان أكثرنا ضحكا هو صديقنا أبو عدي!!

Placeholder

وكر إرهابي جديد لصناعة الموت والدمار .. قندهار الشرق الأوسط

لقد تاه قوم النبي موسى في وديان سيناء أربعين عاماً, وسيتيه قوم الرئيس مرسي في كهوفها العمر كله, فقد دخلت سيناء في أجندات القوى الشريرة, ورشحتها الدوائر المخابراتية لتؤدي دور البديل لأوكار قندهار في الشرق الأوسط, أو لتكون الأرض الموعودة للفلسطينيين بقرار يصدر عام 2017 بعد مرور قرن من الزمان على وعد بلفور, الذي أطلقه رئيس وزراء بريطانيا الأسبق (آرثر جيمس بلفور) في الثاني من تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 1917, في رسالة بعثها إلى اللورد (ليونيل وولتر دي روتشيلد), والتي سجل فيها عبارته الباطلة: ((أرض بلا شعب لشعب بلا أرض)). . 

جاء الوعد المشؤوم بعد مرور عام واحد على توقيع معاهدة (سايكس – بيكو), التي قطعَّت أوصال العالم العربي بمقص التقسيم النفطي, وها نحن اليوم نقف على بعد بضعة أعوام من تطبيقات صيغة جديدة لمعاهدة (سايكس – بيكو) معدلة, ستوقعها القوى الغاشمة عام 2016 لتعيد تقطيع أوصال العالم العربي بمقص التقسيم الغازي, أما شبه جزيرة سيناء فسيكون مصيرها مثل مصير فلسطين, باعتبارها الأرض التي سترثها المليشيات المرتحلة من قندهار والمليشيات الفتية المتشكلة بعد بزوغ فجر الربيع الهمجي, وربما تُقتَطَع منها بعض الأجزاء لاستقبال التجمعات العربية التي ستعلن الهرب من بوابات الجحيم في غزة, بسيناريو مكتوب على جبين التخاذل العربي في زمن الولاءات البنتاغونية الرخيصة.    

 

فهل ستكون سيناء وطنا بديلا للفلسطينيين المهجرين بالقوة من غزة؟, أم إنها ستكون نواة لإمارة إسلامية أكثر تطرفا وتشددا من إمارة طالبان في قندهار؟, وهل ستكون وكرا خبيثا يستفز الشرق الأوسط برمته؟, أم سداً منيعاً يوفر الأمن والأمان لتل أبيب؟. 

لو تتبعنا حكاية أوكار سيناء من بدايتها لوجدنا أن المافيات الجهادية المسلحة تشكلت فيها عام 2002 , وعلى وجه التحديد في الطرف الشمالي منها بقيادة (خالد بن مساعد), وكانت تسعى لإقامة إمارة إسلامية ببنادق ومتفجرات عناصر حركة (التوحيد والجهاد), التي باشرت بتنفيذ مشروع العنف المسلح بتفجيرات (طابا 2004), وتفجيرات (شرم الشيخ 2005), وتفجيرات (دهب 2006), وتفجيرات (المشهد الحسيني 2009), وكانت تضم بعض العناصر المصرية الشرسة, من أمثال (خلف مصطفى). . 

من المفارقات العجيبة المشجعة على تشغيل مراجل العنف في جزيرة الأساطير الفرعونية, إن الحكومة المصرية الجديدة تفكر جديا بمشروع تسليح القبائل البدوية المستوطنة في سيناء بذريعة مساعدتها في حفظ الأمن واستعادة الاستقرار, فالبناء والتعمير يخرج عندنا من فوهات البنادق ومواسير القاذفات, وقد أكد وزير الداخلية المصرية على استعداد بلاده لتدريب أبناء القبائل, وتزويدهم بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة, في حين أبدت القوى السياسية العاملة في سيناء مخاوفها من النتائج الكارثية للتسليح العشائري, وعبرت عن خشيتها من تجدد النزاعات القبلية, والعودة بشبه الجزيرة إلى عصور الجهل والتخلف بإشاعة الفوضى في الجبال والوديان, وبالتالي فإن المشروع يعبر عن اعتراف الحكومة المصرية بعجزها عن حفظ الأمن, واغلب الظن إن هناك بعض القوى التي تريد جر قبائل المنطقة لخوض الحروب الأهلية, وتخطط لإغراقها في مستنقعات المافيات الجهادية المسلحة, التي ستتخذ من الجزيرة مركزاً إقليمياً لها, بالاتجاه الذي يؤهلها لأداء دور البديل العربي لقندهار, وسيأتي اليوم الذي تخرج فيه المجاميع المسلحة من مكامنها لتمنع مرور السفن والناقلات في قناة السويس, أو لتمنع مرورها في مضيق تيران وخليج العقبة, فتكتمل حلقات المنغصات الدولية المبرمجة ابتداءً من مضيق هرمز وانتهاءً بالسويس وتيران مرورا بالقرن الأفريقي ومضيق باب المندب, عندئذ ستتوفر لأمريكا المبررات والمسوغات لتوسيع قواعدها الحربية في الشرق الأوسط, والتدخل المسلح في شؤون المنطقة بذريعة الحفاظ على الاستقرار العالمي, وحماية الممرات الملاحية الدولية. . .

 وقفة 

الفتن التي تتخفى وراء قناع الدين تجارة رائجة جداً في عصور التراجع الفكري للمجتمعات. .

أبن خلدون

Placeholder

عافية الشعر السبعيني

 هكذا شاء النقد وشاء الشعراء وشاءت الصحافة الأدبية أن تقسم حركة الشعر في العراق إلى (أجيال) وليس إلى مضامين أو مشتركات فنية؛ فكان (جيل الرواد) وأعقبه (الجيل اللصيق) او الجيل الخمسيني ومن ثم أنتجت لنا (مقهى المعقدين) بيان الشعراء الستينيين؛ وعلى مشارف السبعينيات تكوّن جيل جديد جاهد للمغايرة مع الأجيال التي سبقته؛ فكان الجيل السبعيني ؛ وعلى عكس الاجيال التي سبقته؛ قسّمه شعراؤه والنقاد إلى مويجات؛ فكانت الموجة الأولى التي ضمت شعراء ناضلوا-فيما بعد- من اجل ان ترتبط (ريادة الجيل) باسمهم؛ إلى الحد الذي تقاتلوا فيه على صفحات الجرائد والندوات!!

 ثم صنفوا من جاء بعدهم: بالموجة الثانية.. وهكذا أخذت الأجيال والموجات تتناسل إلى يومنا هذا.

• بعيدا عن هذا الهم ؛ كان هناك شعراء يشتغلون على منظومتهم الجمالية والفكرية ويؤثثون تجاربهم بما تمدهم به الحياة من دون تزييف أو فذلكة .. ولا أتردد أن اذكر هنا واحدا منهم واسميه باسمه الصريح: عواد ناصر. 

• لم نلتق -ناصر وانا- في بغداد الا قبل ايام؛ فقد اختار له الهجرة بلدا بديلا لضيقه بما تتركه السياسة والعسكرتاريا من ندوب على الروح..وبقيت انا كأيّ حارس فنار!!

ولم استمعه من قبل يقرأ قصائده الا وهو ضيف اتحاد الأدباء في العراق في أمسية الخميس الماضي؛ وعلى الرغم من انه ينتمي إلى جيل سبعيني مهاجر (ولا اعرف تصنيفه المويجاتي) إلا انني كنت احرص على ان أتابعه لمشتركات بيننا؛ من بينها ان كلينا قادم من مدن جنوبية لم تزل تختزن الكثير من روائح وأخلاقيات القرية؛ وقد رسّبتها– وسرّبتها– الينا وفينا؛ وفضلا عن هذا الجانب (الجغرافي- الاجتماعي) فان قصيدته قريبة من ذائقتي؛ لكونها تحمل فرادة تسجيليتها وارشفتها للواقعة؛ سواء كانت نضالية ام تجربة حب؛ وهذا ما كان ينقص الكثير من قصائد جيلنا؛التي لجأت بداياتها إلى النهل من الشعر اللبناني وتحديدا ادونيس وسليم بركات؛ مما اوقعها في مصيدة (التغامض) وعدم الانتماء الى طين الشعرية العراقية المفخور بهموم الناس؛ حتى اذا نضجت التجربة وانتبه الشعراء الى هذا المأزق فضّت الشراكة وتحدّدت أصوات وملامح شعراء هذا الجيل.

قصيدة عواد بقيت محافظة على تميزها حتى بعد ان انتشرت (القصيدة اليومية). 

والذي جعلها اكثر ارتباطا بالأرض.. والجمهور وأكثر قربا من الشارع ؛كون تسجيليتها او -أرشفتها للحدث- لم تسقطها في التقريرية أو تسقها إلى السذاجة والتسطيح:

(ثمة حيوانات كثيرة في المزرعة

الجمل غير آبه لحدبته

الخروف الذي ينتظر السكين

الفرس المفعمة بالخيلاء..

الأسد المغرور

الضبع الذي يقتات على الجيف

الثعلب الذي لم تعد حيله تنطلي على أحد

كلهم هناك يتناسلون

ويأكلون بعضهم بعضا بروح ديمقراطية

ونحن نتفرج ونضحك!)

• قصائد كثيرة مفعمة بالشجن والإبداع والإخلاص إلى التجربة ألقيت في أمسية الخميس الماضي؛ ورسّخت لدي الثقة بعافية الجيل السبعيني؛ وبان تعدد التجارب فيه هي فسيفساؤه الأحلى. 

.. عواد ناصر: أشكرك..أشكرك بشكل حقيقي؛ لأنك شاعر حقيقي.  

Placeholder

العراق والنقاهة السياسية والاستقطاب الدولي

يشتد الاستقطاب الدولي هذه الأيام , وتؤجل اغلب القضايا الساخنة في المنطقة الى ما بعد الانتخابات الأمريكية .

فهل هذا التأجيل من ضمن الاستقطاب الدولي ام لا ؟

ان الدول التي تتاثر بالاستقطاب الدولي هي جميع الدول التي تقع في محاور دولية.

والمحاور الدولية هي كل من :-

1-  المحور الأمريكي – الأوربي وإسرائيل

2-  محور دول البريكس

3-  محور دول الممانعة والمقاومة – تتصدره ايران التي تعاني من حصار اقتصادي ادى الى تراجع القيمة الشرائية لعملتها ومعها سوريا التي تتعرض لهجمة يراد منها تفتيت الدولة السورية , وعملية التفتيت هذه اذا نجحت ستؤدي الى تغيير موازين القوى في المنطقة والعالم , وسيكون تأثيرها شديدا وسيئا على العراق الذي مازال في دور النقاهة السياسية التي لم يتعاف خلالها من تبعات ما مر به حصرا من تاريخ 22|9|1980 مرورا بأحداث اب 1990 ثم من عام 1991 وما تلاه من حصار اقتصادي رهيب ومدمر الى احداث عام 2003 واحتلاله من قبل امريكا والقوات متعددة الجنسية وإعدام الدولة العراقية التي كانت هي غاية وهدف الاحتلال الأمريكي .

وبسبب كل تلك الأحداث اصبح العراق يعاني من عوق سياسي حيث وضع تحت الفصل السابع ولا يزال ؟

وأصبح العراق يعاني من ترهل وفوضى اقتصادية , ولولا عائدات البترول التي اصبحت كجرعات مسكنة لأصبح العراق من الدول المنكوبة اقتصاديا والمنهارة سياسيا واجتماعيا وامنيا؟

وعائدات البترول في العراق على ضخامتها لاسيما تلك الواعدة مستقبليا لم تستطع اخراج العراق من عوقه , وإنما جعلته كالمريض الذي يعيش حالة نقاهة غير حقيقية للأسباب التالية :-

1-  بقاؤه تحت الفصل السابع : الذي يجعله كالطائر الذي يريد ان يطير فلا يستطيع بسبب ما وضع له من اثقال بجناحيه ؟

2-  فساد الطبقة السياسية التي ادخلت في العمل السياسي ما بعد 2003 ؟

3-  دستور معبأ بالثغرات القاتلة من امثلتها ما يسمى بالمناطق المتنازع عليها .

4-  قانون انتخابات يقوم على “ القائمة “ وهي بدعة انتخابية لتشويه عدالة الانتخابات بصورة متعمدة .

5-  اعتماد المحاصصة بين أحزاب السلطة التي أصبحت سببا حقيقيا للفساد المستشري في مؤسسات الدولة , والتي شكلت عائقا لولادة حكومة منتجة ودولة متوازنة تعمل للمستقبل

هذه العوامل الخمسة هي التي كرست المرض العراقي وأخرت النقاهة العراقية بمعناها السياسي والاقتصادي والأمني والاجتماعي

ومن هنا اصبحت كل نشاطات الحكومة ورئيسها تدور في فراغ حقيقي يعرفه اهل الخبرة والاختصاص , وتتلمسه عامة الناس فتعبر بضجر وعدم رضا وتذمر ولكن لا تعرف تفاصيل وعلل الأشياء الحقيقية وما يجري خلف الكواليس لذلك تظل حيرى يخدعها الإعلام تارة , وتسلب إرادتها في التحرك وتمنعه تارة اخرى الهجمات الإرهابية عبر ما يسمى بالخروقات الأمنية , وهي ليست خروقات أمنية بمقدار ما هي تصدع وهشاشة بنيوية في جسد الأجهزة الأمنية خطط لها ورسمت معالمها بمكر ودهاء من طرف وسذاجة وبلاهة من طرف اخر , فاستجمع الطرفان إنتاجا فاسدا منشغلا بنهمه ومراهقته ونزواته التي تعرفها فنادق ما يسمى الخمس نجوم في بغداد ومن هم روادها من أصحاب الزي الخاص والحمايات الخاصة المنشغلة بولعها المفرط بمفردات اللذة والمتعة بدون تسمية أنواعها مما يجرح الحياء العراقي ويوخز ضميره الذي لا تريد له الطبقة الانكشارية من يقظة ؟

والانكشارية في العراق حاضرة بكل ارثها التاريخي , يشترك فيها الجميع والاستثناء قليل .

وهذه الانكشارية هي التي تستبقي العراق في دوامة المرض والضياع وتمنع عنه نقاهته التي لم تصل الى المستوى المبشر بالشفاء .

ولهذا فكل الاتفاقيات والمعاهدات التي يقال انها عقدت وانشغلت بها بعض الصحف وتحدثت عنها بعض الفضائيات التي تنصب كمينا متعمدا للتشويه والانحطاط عبر لقاءات يفوح منها روائح المخابرات والاستخبارات التي لاتنفك تحيك الفبركات وتستغفل الذين تستدرجهم الى استوديوهاتها ظنا منهم انهم اصبحوا محللين سياسيين او خبراء في ميادين لم تمارس فيها الخبرة ولم تتحقق وتفرز من خلالها نتيجة مقنعة سوى الادعاء والضجيج وقتل الوقت وإعطاء فرصة للفاسدين وطابور المخربين وفي مقدمتهم عصابات الإرهاب التي تتحرك بالكونترول الأمريكي وتدعي بشعارات لا تنتمي لبوصلة السماء ولا تنتج سوى الكراهية والحقد والتكفير الثالوث الذي اكتشفت فيه اسرائيل ضالتها فأعربت لحليفتها امريكا عن رضاها لتحقق امنا تحلم به فأوعزت امريكا لأدواتها في المنطقة بالتحرك لانجاز المهمة , ولهذا حوصر محور المقاومة والممانعة , لان المحاصرين وجدوا من صدا الطائفية ومن خزين الجهل والتخلف خير معين ومساعد لهم على تحقيق مآربهم , فاشتعلت نار الطائفية وتداعت بؤر العنصرية وهرعت غوغاء الجاهلية لترفض كل صوت وطني وكل شعار انساني وكل كلمة صادقة , مستعينة بشعارات مستهلكة وادعاءات مستفرغة من كل محتوى ينفع هذه الأمة .ولهذا اصبح المرض مزمنا ولم يعد للنقاهة من بارقة أمل ما لم تستأصل اسباب المرض بعد تشخيصها , والا سيبقى كل ما يقال حبرا على ورق كما حدث لما يسمى بورقة الإصلاح , او لما يسمى باجتماعات يقال عنها متنقلة هنا وهناك وسمعنا جعجعة ولم نر طحينا ؟

وسيبقى كل ما قيل عن اتفاقيات مع اليابان والصين وكوريا والمانيا واليوم مع روسيا ومن قبلها مع امريكا صاحبة ما يسمى بالاتفاقيات الستراتيجية التي هي الاخرى لم نر منها شيئا سوى الوعيد والمماطلة بطائرات الفانتوم التي حسدنا عليها البعض وغار منها البعض وحقد علينا منها بعض آخر ؟

كل ذلك سيبقى حبرا على ورق ما لم يأتلف الصف العراقي ويمنع كل التعاطي المشبوه حول مصيره وموقعه من لعبة المحاور والاستقطابات التي لا يكون للعراق فيها حضور يتناسب مع ثقله الاقتصادي الواعد مثلما يتناسب مع وزنه التاريخي وموقعه الجيوسياسي .

وتوحد الصف العراقي لا يكون حقيقة ظاهرة للعيان ما لم تسقط الحسابات الطائفية والفئوية وما لم ينتمي من يشغل المواقع الرئاسية الى وحدة العراق وهوية الوطن والمواطن , وان لا يظل البعض منهم امينا عاما لحزبه , وانما رئيسا للجمهورية او رئيسا للحكومة متفرغا للمهمة التي ائتمنها الشعب عليها طيلة المدة المقررة دستوريا .

Placeholder

التهمة الجاهزة !

الذين يقفون مثلي على مشارف السبعين من العمر، يستذكرون جيدا ان التهمة الجاهزة ضد أي شخص يعارض النظام الملكي، هي الشيوعية حتى بات العرف السائد بين الناس، ان كل سياسي يدخل السجن او التوقيف هو شيوعي ومع انه من الصحيح جدا ان الحزب الشيوعي يمثل الواجهة العريضة للنضال الوطني في تلك المرحلة، وبيده مفاتيح الشارع وقدم من الشهداء والتضحيات وصور البطولة ما جعله سيد الساحة ومرجعيتها الأولى، ولكن من الصحيح كذلك ان الحركة الوطنية كانت اكبر من أن تختزل بالحزب الشيوعي فهناك الكثير من التنظيمات والأحزاب والتيارات والشخصيات المستقلة تلتقي مع الشيوعيين في اطار النضال المشارك وأهداف المرحلة ولكن النظام الملكي من حيث يدري ولا يدري قدم خدمة العمر لخصمه الأول بحيث اظهر قوته وحجمه وعدد أعضائه عشرة إضعاف ما هو عليه في الحقيقة. 

وبالتالي فان ربيع الحزب الشيوعي في اربعينات وخمسينات القرن الماضي كان بسبب السياسة الملكية، والتهمة الجاهزة ضد كل من يعارض النظام،من دون ان يعني هذا التقليل من الدور الريادي الفاعل للشيوعيين ضمن الحركة الوطنية! 

المشهد السياسي بعد 1958 وسيناريو النظام الأهوج يتبنى سلوك العهد الملكي نفسه، فقد ابتكر شماعته الجديدة وتهمته الجاهزة وهي (البعثية) ضد كل من يعارض النظام او لا يتفق مع سياسته وبذلك تم تجيير التيارات الناصرية والقومية وبعض التيارات الدينية والشخصيات المستقلة لصالح البعثيين وقدم امن السلطة من حيث يدري او لا يدري خدمة العمر لحزب البعث لأنه اظهر قوته وحجمه وعدد أعضائه عشرة اضعاف ما هو عليه في الواقع، وسوف تتبنى السلطة البعثية عام 1963 المناهج القديمة نفسها باعتماد التهمة الجاهزة وكانت التهمة في هذه المرحلة من نصيب الشيوعيين مجددا، مع أن الذين عارضوا النظام وحرسه القومي وسياسته القمعية يمثلون زيادة على الشيوعيين العديد من التيارات والحركات القومية والدينية والبعثية المنشقة وربما كان الجزء الأعظم من معارضي النظام، هم من شرائح المجتمع المستقلة التي رأت في عبد الكريم قاسم بطلها الشعبي المخلص وحلمها الذي انتظرته طويلا، وقد تعاملت السلطة البعثية مع هذه الشرائح الواسعة على انها شيوعية، ووضعت بغباء سياسي لا تحسد عليه الشيوعيين و(القاسميين – اذا جازت التسمية) في خانة واحدة، وحين عاد البعثيون الى السلطة ثانية عام 1968 وتمكنوا من تصفية الشيوعيين خصمهم التاريخي اللدود مستغلين خطأه الكبير وخطيئته التي لا تغتفر عبر القبول بالانضمام الى ما عرف يومها بالجهة الوطنية والقومية التقدمية، كان عليهم ان يبحثوا عن (تهمة جاهزة) لتصفية المعارضين والخصوم السياسيين، وكانت التهمة هذه المرة (حزب الدعوة)،  وتكرر المشهد الذي تعرفنا على بداياته في العهد الملكي، وقدم النظام خدمة العمر للدعوة بحيث اظهر قوته وحجمه وعدد أعضائه عشرة اضعاف ما هو عليه في الواقع، حتى أصبح من يقصد الحسينية او يطبخ في عاشوراء او يذهب لزيارة الأضرحة المقدسة موضع شبهة او انتماء او تعاون او تعاطف مع حزب الدعوة،ولو كان عضوا او عضو فرقة او شعبة في حزب البعث!!  

عجيب هو قدر العراق الذي جعل من أنظمته المتعاقبة ترتدي الثوب ذاته، حتى الأميركان الذين احتلوا البلاد أصابتهم العدوى فحلوا الجيش والشرطة والمخابرات وقوى الأمن والإعلام، بل وفككوا الدولة ومؤسساتها بتهمة جاهزة (أزلام صدام) بحيث جعلوا من قوة وحجم وعدد هؤلاء الأزلام مئة ضعف عما هم علية في الواقع، وبذلك قدموا خدمة لصدام وازلامه لا يحلمون بها… وما زالت التهم مستمرة!!

Placeholder

عافية الشعر السبعيني

 هكذا شاء النقد وشاء الشعراء وشاءت الصحافة الأدبية أن تقسم حركة الشعر في العراق إلى (أجيال) وليس إلى مضامين أو مشتركات فنية؛ فكان (جيل الرواد) وأعقبه (الجيل اللصيق) او الجيل الخمسيني ومن ثم أنتجت لنا (مقهى المعقدين) بيان الشعراء الستينيين؛ وعلى مشارف السبعينيات تكوّن جيل جديد جاهد للمغايرة مع الأجيال التي سبقته؛ فكان الجيل السبعيني ؛ وعلى عكس الاجيال التي سبقته؛ قسّمه شعراؤه والنقاد إلى مويجات؛ فكانت الموجة الأولى التي ضمت شعراء ناضلوا-فيما بعد- من اجل ان ترتبط (ريادة الجيل) باسمهم؛ إلى الحد الذي تقاتلوا فيه على صفحات الجرائد والندوات!!

 ثم صنفوا من جاء بعدهم: بالموجة الثانية.. وهكذا أخذت الأجيال والموجات تتناسل إلى يومنا هذا.

• بعيدا عن هذا الهم ؛ كان هناك شعراء يشتغلون على منظومتهم الجمالية والفكرية ويؤثثون تجاربهم بما تمدهم به الحياة من دون تزييف أو فذلكة .. ولا أتردد أن اذكر هنا واحدا منهم واسميه باسمه الصريح: عواد ناصر. 

• لم نلتق -ناصر وانا- في بغداد الا قبل ايام؛ فقد اختار له الهجرة بلدا بديلا لضيقه بما تتركه السياسة والعسكرتاريا من ندوب على الروح..وبقيت انا كأيّ حارس فنار!!

ولم استمعه من قبل يقرأ قصائده الا وهو ضيف اتحاد الأدباء في العراق في أمسية الخميس الماضي؛ وعلى الرغم من انه ينتمي إلى جيل سبعيني مهاجر (ولا اعرف تصنيفه المويجاتي) إلا انني كنت احرص على ان أتابعه لمشتركات بيننا؛ من بينها ان كلينا قادم من مدن جنوبية لم تزل تختزن الكثير من روائح وأخلاقيات القرية؛ وقد رسّبتها– وسرّبتها– الينا وفينا؛ وفضلا عن هذا الجانب (الجغرافي- الاجتماعي) فان قصيدته قريبة من ذائقتي؛ لكونها تحمل فرادة تسجيليتها وارشفتها للواقعة؛ سواء كانت نضالية ام تجربة حب؛ وهذا ما كان ينقص الكثير من قصائد جيلنا؛التي لجأت بداياتها إلى النهل من الشعر اللبناني وتحديدا ادونيس وسليم بركات؛ مما اوقعها في مصيدة (التغامض) وعدم الانتماء الى طين الشعرية العراقية المفخور بهموم الناس؛ حتى اذا نضجت التجربة وانتبه الشعراء الى هذا المأزق فضّت الشراكة وتحدّدت أصوات وملامح شعراء هذا الجيل.

قصيدة عواد بقيت محافظة على تميزها حتى بعد ان انتشرت (القصيدة اليومية). 

والذي جعلها اكثر ارتباطا بالأرض.. والجمهور وأكثر قربا من الشارع ؛كون تسجيليتها او -أرشفتها للحدث- لم تسقطها في التقريرية أو تسقها إلى السذاجة والتسطيح:

(ثمة حيوانات كثيرة في المزرعة

الجمل غير آبه لحدبته

الخروف الذي ينتظر السكين

الفرس المفعمة بالخيلاء..

الأسد المغرور

الضبع الذي يقتات على الجيف

الثعلب الذي لم تعد حيله تنطلي على أحد

كلهم هناك يتناسلون

ويأكلون بعضهم بعضا بروح ديمقراطية

ونحن نتفرج ونضحك!)

• قصائد كثيرة مفعمة بالشجن والإبداع والإخلاص إلى التجربة ألقيت في أمسية الخميس الماضي؛ ورسّخت لدي الثقة بعافية الجيل السبعيني؛ وبان تعدد التجارب فيه هي فسيفساؤه الأحلى. 

.. عواد ناصر: أشكرك..أشكرك بشكل حقيقي؛ لأنك شاعر حقيقي.