يستعد العراق لاستقبال ثورة التاسع من نيسان بعد أيام قليلة، حيث تكون قد بلغت العاشرة من عمرها، وغادرت مراحل الفطام والحضانة والروضة، ودخلت المدرسة باقتدار، ولابد أن مثل هذا الزمن الطويل قد جعلها تقف على قدميها، وأغناها بالعديد من التجارب الديمقراطية وحرية التعبير والتعددية الحزبية والأصابع البنفسجية، على أن هذه الثورة التي لاتشبه إلا نفسها –بحكم الأطراف التي شاركت في قيادتها، من قوى وطنية وعلمانية ودينية ومحلية وإقليمية ودولية– لا يمكن لتجربتها إلا أن تنفرد بخصائص تميزها عن التجارب المماثلة في العالم ، ربما كانت في مقدمتها ما يمكن أن نسميها تجربة (زعل الحبايب)، وآية ذلك ، أن أطراف العملية السياسية (أي قيادات الثورة بشتى عناوينها)، سواء كانت في السلطة أم خارجها أم في المعارضة، قد اختص كل طرف منها بطريقة (باتت معروفة)، يواجه بها خصومه في حالات الانفعال او الغضب اذا ما ادرك ان صاحبه (زعلان)، ولذلك فانه بدلا من الظهور بوجه عابس وخلقة مكفهرة وكأنه خسر مليون دينار في صفقة ذهبت إلى غيره، يعمد إلى تخويف شركائه وحلفائه بما يمتلكه من عناصر قوة، تزعجهم أو ترهبهم أو تربك زعلهم، فهذا الطرف مثلا يهدد بحكومة الأغلبية أو على الشركاء أن يمسحوا أيديهم في الحائط، فلا وزارة ولا وكالة وزارة ولا منصب ولان غنغة ولا هم يحزنون، وهذا الطرف يهدد بالانسحاب من العملية السياسية، أو سحب الثقة عن الحكومة وإحالة أعضائها على التقاعد، وجعلهم يتحسرون على أيام السلطة والعز والنعيم، ويعضون أصابع الندم على ما فعلوه بالمتقاعدين والضحك عليهم، وفيما يهدد هذا الطرف بإشهار المادة 140 وكركوك والمناطق المتنازع عليها، وكل واحدة من هذه الفقرات لها أول وليس لها آخر، فان ذاك الطرف يهدد بإعلان الإقليم، ولا شيء يجفل الحكومة ويهز شواربها مثل الدعوة إلى الإقليم، بحيث ترى فيه صورة للانفصال وتقسيم العراق، مع أن إقامة الأقاليم (على ما اذكر) هي ما نص عليه الدستور، وعده حقا من حقوق العراقيين المنسيين في المحافظات، ولهذا فانا لا افهم لماذا تلجأ مجالس المحافظات إلى أسلوب (التهديد) حين تفكر بإعلان نفسها إقليما كما لو كانت تقدم على فعل محرم، مثلما لا أفهم، هل كان الدستور يحرض الناس على تقسيم البلد عندما اقر إعلان الأقاليم بعظمة لسانه؟!
وبين هذا وذاك لا نعدم من يعبر عن زعله عبر التلويح بالمادة 4 أو الملفات الجاهزة أو التلميح باللجوء إلى الجامعة العربية أو الأمم المتحدة أو المنظمات الدولية، ولا نعدم من يشير بالقلم العريض إلى أن في حوزته معلومات تقيم الدنيا ولا تقعدها، إلى غير ذلك من التهديدات والتلميحات التي حكمت السلوك العام لأطراف العملية السياسية، ولكن الغريب حقا، أن هذا الزعل (الشفاف) كان يعلن على الفضائيات، ونحن (أولاد الخايبة) نضع أيدينا على قلوبنا خوفا من اندلاع حرب لا يذهب ضحيتها غيرنا، بينما أبطال داحس والغبراء يجلسون معا في مطاعم الخضراء وكافتريا البرلمان وقصورهم الفخمة، وهم يتمتعون بنكهة القهوة والعصائر والمشروبات مع الكرزات المستوردة والماكنتوش، ويتبادلون احدث النكات عن العراق الجديد!!

