“لا تتركوا طريق الحق وإن قل سالكوه”. الإمام علي “عليه السلام”
في الوسط السني لأهلنا في العراق نمت وترعرعت ثقافتان هما:
1- ثقافة التكفير الوهابي الإرهابي يتيم الغلو الفاقد لبوصلة الإيمان.
2- ثقافة البعث العراقي يتيم سلطة القمع والأمية السياسية.
وقدمت التكفيري الإرهابي الوهابي على البعث العراقي لحجم الزخم الإعلامي المحرض الذي يحظى به, ولتصدره قائمة خيارات اللولب التوراتي لإسقاط العراق والمنطقة والعالم في فتنة التشرذم والانقسام. وأحب أن أؤكد هنا أن البعث العراقي لا يمتلك ثقافة معرفية, وانما كل ما لديه وشايات وتهريج منبعها خصومة السلطة. بينما يمتلك الوهابي التكفيري ثقافة “الخردة” من أكداس الرواية الحاملة لأخطاء الانحراف التاريخي عن الحق, لذلك ظل هذا النمط من السلوك مرشح لحمل راية المشاكسة للاستقامة والحق, ليس لإيمانه بصوابية ما عنده, ولكن لغلبة الغواية النفسية التي لم تستقبل مفردات المنهج الإيماني على أيد أمينة تنتمي لحاضنة الاصطفاء المختارة بحكمة السماء. لذلك ينطبق على هذا الصنف من الناس الخطاب القرآني المبارك: “لو أنزلنا إليهم الملائكة, وكلمهم الموتى, وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما آمنوا بالله…”. والسبب في ذلك هو الجهل المستحكم في النفوس, ومن هنا قال الإمام علي بن أبي طالب “ع”: “إذا أناقش العلماء أغلبهم, وإذا أناقش الجهلاء يغلبونني”. والحقيقة المرة التي لا يريد البعض ممن يحلو لهم أن يدلوا بدلوهم في الاحتجاجات المفتعلة في بعض المناطق السنية من العراق, هو أن كل أسباب التحريض والاحتقان في المنطقة السنية، وأستثني هنا الشرفاء والمخلصين لوطنهم ولأهل العراق وهم كثر من أخواننا من أهل السنة الذين لا تثنيهم التخرصات الطائفية عن قول الحق والالتزام بوحدة العراق، وهؤلاء مع بقية المخلصين من أهل العراق هم أمل الخلاص من دوامة العنف التكفيري وفوضى التخبط العنصري والفئوي الذي يجد من بقايا المفلسين ما يصنع ظاهرة النفاق التي حذر القرآن الكريم منها عندما قال: “لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم”.
ولظروف ترتبط بثقافة الرواية المنحرفة عن الحق, ولظروف سياسية مرتبكة أناخت بكلكلها على العراق بعد اتفاقية “سايكس بيكو”، دخلت للمنطقة وللعراق أفكار وثقافات لا تنتمي لهوية هذه الأمة, استغلت وجود الفراغ الثقافي والروحي فتسربت مع قدوم حامل لواء ثقافة الأرض المادية دون ثقافة السماء الروحية التي تغني الأرض بحيويتها وتنتشل البشر من الضياع الذي نحن فيه الآن, فكانت الآلة الصناعية وسيلة للإغراء, ولعدم وجود ثقافة السماء تحولت الآلة الصناعية وتقانتها الى بلاء وابتلاء فأصبحت تشن الحروب بذرائع أسلحة الدمار الشامل.
وعندما أتحدث عن الثقافات المدمرة والتي سببت إعاقة السني العراقي من إظهار حيويته وروحه الوطنية, فأنني لا أنسى ما تعرض له الشيعي العراقي من ثقافات أخرى معطلة, ولكنها لا ترقى الى مستوى الإعاقة والخدر الفكري الذي سببته ثقافات “التكفير الوهابي الإرهابي” التي نأت بمعتنقها عن أسرته وأهله وأبناء مدينته ووطنه, وتلك هي الفاجعة المدمرة التي تعرض لها الاجتماع العراقي، فسكت عليها قوم, وخاف من مواجهتها آخرون, وتأثر بها البعض جهلا, وشجعها البعض الآخر لغايات ومصالح آنية دنيوية ليس فيها من البركة شيء.
وتبقى ثقافة البعث العراقي التي لا تستحق تسميتها بالثقافة إلا من باب المجاز, تشكل مع ثقافة التكفير الوهابي مصدرا للاحتقان المرشح للتمرد الفاقد للأخلاق وللروح الوطنية ولكل مقومات الشرعية, والاعتداءات الموثقة التي قام بها بعض المحتجين على كل من:
1- أفراد الجيش العراقي والشرطة في الفلوجة, والموصل, وسامراء وتكريت وكركوك وطوزخورماتو، وأخيرا في الحويجة، حيث قام الغوغاء بتحريض من معمم في مسجد الحويجة بالهجوم على سيطرة للجيش العراقي وقتلوا جنديا وأصابوا ضابطين وكلهم من أهالي الحويجة وهذا العمل يندى له الجبين.
2- اغتيال النائب عيفان العيساوي من أهالي الفلوجة الذي أصبح شهيد العراق واعترفت ما تسمى بدولة العراق الإسلامية الوهابية باغتياله، بينما يقوم أحد مشجعي الاحتجاجات الطائفية باتهام إيران بقتل الشهيد عيفان العيساوي، والعجيب أن الذين يحلو لهم من المعممين البكاء والصراخ على السجناء من الإرهابيين لا يذكرون جريمة اغتيال النائب عيفان العيساوي.
3- قتل واختطاف مجموعة من الجنود العراقيين في أطراف محافظة الانبار.
4- الاعتداء بالضرب وبمختلف الأدوات الجارحة على بعض المسؤولين من أبناء المنطقة السنية الذين زاروا المتظاهرين.
5- إطلاق صيحات “الخونة” على أفراد الجيش العراقي من قبل بعض المتظاهرين.
هذه المواقف والأعمال تدخل في خانة التمرد, ومن يعترض على ذلك فليقدم تفسيرا, وسيكون مشمولا بقول الشاعر:
أدهى المصائب في الدنيا وأعظمها
عقل يرى الشيء مقلوبا ومعكوسا
وتبقى رايات تنظيم القاعدة التكفيري الوهابي وراية ما يسمى بالجيش الحر, ورفع علم صدام حسين, ورفع صور أردوغان العثماني حليف إسرائيل، هذه كلها رفعت في ما يسمى بالتظاهرات الاحتجاجية المفتعلة، مما يجعل الحديث عن طغيان ثقافة التكفير الوهابي وثقافة البعث العراقي في المنطقة السنية هي حقيقة لا يماري فيها من يحترم عقله, لأننا نسمع أحيانا بعض المتحاورين من على شاشات الفضائيات يرفضون مقولة: “أن المنطقة السنية أصبحت حاضنة للإرهاب التكفيري وهؤلاء يغالطون أنفسهم ويغالطون الواقع الذي تجاوزهم كثيرا”.
ليس عيبا على شرفاء أهل السنة في العراق أن تصبح منطقتهم حاضنة لمثل تلك الثقافات المأزومة, فاللعبة الدولية التي اختارت العراق مسرحا لها هي من ساعدت وتسببت بذلك, ولكن العيب أن يستسلم البعض لهذه الظاهرة, ويراوغ البعض الآخر بسلة مطالب للشعب العراقي فيها حصة مشتركة لا ينفرد بها طرف دون طرف آخر, ويحاول البعض الآخر هروبا من مواجهة حقائق الميدان الى تدليس الصورة وخلط الأوراق حتى لا يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر.
إن رواسب هذه الثقافات المدمرة تحتاج إلى إرادة وطنية يتقدمها أخواننا من أهل السنة في العمل الجاد للتخلص من رواسب تلك الثقافات, ولا يتحمل المخلصون من أهل السنة لوحدهم عبء هذه المسؤولية, وانما على كل الحواضن العراقية من مرجعية دينية, وحاضنة عشائرية, ومكونات حزبية, ونخب ثقافية, ووسائل إعلام مهنية واعية, أن تشترك جميعا في مواجهة خطر بقاء تلك الثقافات المدمرة التي ما حلت في مكان إلا وزرعت فيه الخيبة والدمار. فليكن الصوت جريئا مرتفعا في رفض تلك الثقافات المدمرة في المنطقة السنية, ولتكن المشاريع مشتركة, ولتكن الدولة مساندة لحاضنات الولاء العراقي، ببسط العدالة ومنح العراقيين حقوقهم في العيش الكريم وإزالة كل ما يعكر صفو الوحدة العراقية من ممارسات ظهرت في السنوات الأخيرة من بعض المنتفعين والفاسدين الذين لا يهمهم إلا تحقيق نزواتهم الشخصية.