يبدو المشهد العراقي مسرفا في طريقة تعامله مع الصورة تاريخيا , واجتماعيا , وسياسيا , وقبل هذا وبعد هذا أخلاقيا، اما تاريخيا: فلان المجتمع العراقي في غالبيته هو امتداد للقبائل العربية صاحبة التاريخ المنفعل بظاهرة وجود بيت لله الحرام ” مكة ” ” ان اول بيت وضع للناس للذي ببكة ” وهذا السبق التشريفي لم يحظ بتدبر معاني هذا الحضور ” الرمز ” سوى التعلق بالرمزية وتحويلها الى مقدس , وانتقال التقديس الى غير ما وضع له , حتى اصبحت الصورة تقدس دون الالتفات الى منابع وجذور القدسية التي احيطت بعناية فائقة عبر رسالات السماء تولاها الروح الامين ” جبرئيل ” المعلم الكوني الاول بين الارض والسماء عبر انبياء الله وخاتمهم صاحب رحلة الاسراء والمعراج ” سبحان الذي اسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا انه هو السميع البصير “- 1- الاسراء – وهذه الرؤية كانت من منابع ولادة الصورة وثقافتها التي توزعت على سور كثيرة اهمها ” الرحمن , والقمر , والنجم ” وكانت سورة النجم تجسيدا للرؤية الحافلة بالصور التي تستودع في القلب لا على طريقة الوله والعشق الذي انحرف كوسيلة روحية يختص بها الخالق الرب المعبود وهو ” الله ” حيث تحول الحب الى شبق جنسي يضر ولا ينفع , لأنه نزل من أسمى المراتب وأعلاها ” حيث تجليات التفرد بالقداسة والبهاء الساطع من جمال المعاني وهيبة الوجود في العرش والكرسي ” الرحمن على العرش استوى ” ” الله لا اله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه ساعة ولا نوم له ما في السماوات وما في الارض ” الى اسفلها واحطها خسة ودناءة تفوح بالانتان والقيح , والعداوة والبغضاء ,حيث المخلوق الضعيف ذكرا كان او انثى , تقتله الشهقة , وتؤذيه البقة , وتنتنه العرقة ” اوله نطفة وآخره جيفة ” صورة تبعث على الأسى والتقزز وهي حقيقة المخلوق , ولاسيما ابن ادم الذي اخذ من اديم الارض التي تواضعت لربها ” قالتا اتينا طائعين” اي السماء والارض امتثلتا للطاعة في مشهد الامتثال للربوبية , وأديم الأرض الذي صار منشأ لآدم هو ” الطين الازب , والحما المسنون ” وهو تعبير عن صورة الأصل المتواضع الذي دخلت فيه نفخة الروح “ونفخنا فيه من روحنا ” فأضيف للصورة المتواضعة قدر جديد لا يمكن تصوريه بأبعاد مادية , ولكن يمكن فهمه بعقول جواهرها نورانية ” الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم ” -35- النور – فالحب الحقيقي هو للجانب النوراني المتألق , وليس للجانب المظلم المنطوي على الفساد والفناء , والذي اذا عرف قدره امتثل لنور الحق المطلق فتأتيه نسائم التغيير فتجعله محفوظا مبجلا مكرما بنعمة فيض الرحمة فيتحقق معنى ” بل احياء عند ربهم يرزقون ” فالحياة هبة من فيض النور على النور بلا مس ولا تماس , ولكن توهج وإحساس , وعندها نعرف معنى الصورة
التي تخلد , ومعنى الصورة التي لا تخلد , ان اساف ونائلة الذين مثلوا انحراف السلوك والوظيفة الفسلجية فحولاها الى فساد وإباحية يترجمها اليوم جماعات التكفير الارهابي الوهابي في ممارسة مايسمى بجهاد النكاح في سورية , ان اساف ونائلة هما من صور ارث العرب المنحرف باتجاه الصنمية “حيث تحول اساف ونائلة الى حجارة ممسوخة مطرودة من رحمة الرب للعبرة لأنهما مارسا شبق الشهوة الجنسية بالزنا , ونتيجة انحراف ثقافة الرمز والصورة والمقدس تحولا الى صنمين يعبدان، قال الشاعر :-
تطالعنا خيالات لسلمى … كما يتطالع الدين الغريم
وقال آخر :-
قالت حنان ما أتى بك هاهنا . اذو نسب ام أنت بالحي عارف
وقال شاعر آخر مختصرا محنة هواة الحب الزائف :-
مساكين اهل الحب حتى قبورهم .
عليها تراب الذل بين المقابر
واختزن ديوان الشعر العربي صورا كثيرة للحب ومعاناة المحبين بسبب الوله الذي يقترب من المرض , قال حدهم :-
يا نفس عذبك الحنين ونال منك تلددي
وأنا الذي زرع النجوم وقال يا شمس احصدي
شط الخيال فلم اجد غير الدموع على يدي
وقال الآخر :-
سيرت لي من ناظريك رسالة ما كان احوج مثلها لمترجم
تطغى علي حروفها فتثيرني واجن بالحرف الذي لم يعجم
وقال آخر :-
لخولة اطلال ببرقة ثهمد تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
فهذا التشبيب بصور الحبيب , هو عبارة عن ضياع في مسرح الحب الوهمي , ومن هنا أصبح الغناء نفاقا لا يعرف لغة القلوب الحقيقية , حيث يرسم صورة غير حقيقية ضحاياها من الهائمين بدون وعي بمعرفة لمن الهيام، مثل قول احدهم :-
لا لا أبوح بحب خولة أنها … أخذت علي مواثق وعهودا ؟
فالكذب والمبالغة هما الأرضية التي يقوم عليها شعر الذين في كل واد يهيمون كما وصفهم القرآن الكريم ” والشعراء يتبعهم الغاوون , الم تر انهم في كل واد يهيمون الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ..” والمبالغات تفسد الواقع كما يفسده الكذب , جاء في مبالغاتهم :-
لما اتى ابن الزبير تواضعت .. اسوار المدينة والجبال الخشع
وقال احدهم مادحا هارون الرشيد :-
ولو ان مشتاقا تكلف فوق ما في وسعه لسعى اليك المنبر
والذي مدح جمال عبد الناصر :- لولا التقى يعصمني لقلت ما جاء زمان الانبياء
والذي مدح عبد الكريم قاسم قال :- عبد الكريم وفي العراق خصاصة ليد وقد كنت الكريم المنعما
والذي مدح عبد الإله أيام الملكية في العراق قال :- عبد الإله وليس عابا ان ارى عظم المقام مطولا فاطيلا
يا ابن الذين تنزلت في بيتهم سور الكتاب فرتلت ترتيلا وهكذا حب الصورة لا يختلف في مسرح الضياع الذي لا يعرف سر الكون ,لاسيما عندما تكون الصورة لمن هم ليسوا من فئة المصطفين باختيار السماء الذي لا يقوم الا على التأسيس الصحيح ” وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ” , والذين يأتي مدحهم مطابقا للواقع منصفا للحقيقة , قال النابغة :-
لقد اعطاك ربك سورة .. يرى كل ملك دونها يتذبذب
وقال الفرزدق مادحا علي بن الحسين :-
يا سائلي اين حل الجود والكرم عندي جواب اذا طلابه قدموا
وقال الصاحب بن عباد :-
بآل محمد عرف الصواب وفي أبياتهم نزل الكتاب
علي الدر والذهب المصفى وباقي الناس كلهم تراب
وقال الكميت :-
وطائفة قد أكفروني بحبهم وطائفة قالوا مسيء ومذنب
وقال الإمام علي كمثال على صدق شعر الصالحين :-
النفس تبكي على الدنيا وقد علمت ان السعادة فيها ترك ما فيها
لا دار للمرء بعد الموت يسكنها الا التي كان قبل الموت بانيها
وحتى الأشعار الصوفية والصورة التي رسمتها على ما فيها من صدق ابتدائي بشخص الممدوح وهو ” الرسول النبي ” الا انها تداخل فيها لاحقا صورة الأبطال الصوفيين وهم من غير المصطفين, مما أصبحت المغالاة في مدحهم وحبهم انحرافا في صورة المعشوق, ومثل ذلك وقعت فلسفة الإشراق في بعض تجلياتها العرفانية في مسرح الضياع المتعلق بالصورة غير المتخلصة من ترسبات المادة , فكان عشق الولدان إشكالية فلسفية وعرفانية لا تحمد عقباها من حيث دلالات المعنى واللفظ في اطار الدراسات الإنسانية ذات المنحى العرفاني المختص بالمعصوم والذي أبحر فيه من لا يمتلك سفينة الإبحار بمفهوم النور على النور .
والشارع العراقي اليوم يتعرض لغزو ثقافة الصورة وتداعياتها التي تأخذ من المقدس صورته , وتتجاهل معناه وحقيقته ,فالصور التي تنتشر في الشوارع وفي الأماكن العامة وحتى في غرف البيوت وصالونات الضيافة , لا يلاحظ انها تعبر عن وعي بالمقدس وهو ” الله ” الذي يتسامى على الصورة والتجسيد والتحديد ,قال الشاعر :-
سافرت في شرق البلاد وغربها … وعلمت ان الله لا يتحدد بل ان مساجد العبادة اصبحت في بعض الحالات تغص بالصور , وهو امر مخالف لأصل وطبيعة الهدف العبادي الذي وجدت من اجله المساجد والتي اصبحت بهذا المعنى وذلك الهدف بيوتا لله , ” وان المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ” وتفسير قطع اليد من الأصابع توجيه صحيح من الراسخين في العلم .
وفوضى انتشار الصور لم يقتصر على الحرمة الشرعية ” مثل تواجدها في المساجد, وإنما امتد ضمنا للمساس بالسيادة والثقافة الوطنية, فصور بعض الشخصيات ولاسيما المراجع منهم, قد تسبب سوء فهم لدى البعض , والدعوة للاعتذار عن رفع بعض الصور والتي وجهت الى رئيس الحكومة تأتي في إطار أمية ثقافة الصورة التي تعشش في نفوس البعض من السياسيين الذين حملتهم رافعات غيرهم ولم تحملهم مؤهلاتهم الشخصية , خصوصا في أجواء احتقان طائفي تسعى له بعض الأطراف, مما يتوجب على من يحرص على الوحدة الوطنية, ان يتجنب رفع صور المراجع والعلماء, وكذلك الشخصيات السياسية التي تعتبر رمزا لشعب دون شعب آخر, وصور رؤساء الدول التي قد تحظى بإجماع او اختلاف الناس حولها , كل هذه الصور مع احترامنا لأصحابها , لا نرى مبررا لانتشارها ورفعها في الشوارع والمناسبات والأماكن العامة ودور العبادة , وهذه الظاهرة التي بدا فيها اسراف في الشارع العراقي ونتج عنها ردود أفعال بعضها غير مصيب , وبعضها يخلط ما بين الشرعي والوطني ,ومابين العرف والعادة، وتجنبا لمزيد من المضاعفات وردود الأفعال التي لا تحمد عقباها, نرى من الحكمة والعقل وحفظا للأمن الاجتماعي والوطني ان يصار الى عدم رفع الصور الشخصية للعلماء والمراجع في الشوارع والأماكن العامة مهما كانت الأسباب, ويستثنى من ذلك المنازل الخاصة والمكاتب الخاصة التي لصاحبها الحرية فيها .
إننا نؤكد على السعي والعمل من اجل ثقافة جديدة للصورة وللرمز وللمقدس تتناسب مع المبادئ والأصول التي قررتها السماء وأثبتها القران وحرصت عليها سنة رسول لله “ص” وأرجو ان يكون ذلك جزءا من مشروع وحدة المسار العراقي نحو المحبة والبناء والتقدم .

التعليقات معطلة
