Pdf copy 1

فؤاد حسون
 
كان التبغدد جزءا من حياته اللاعبة فوق حبلين : الاطمئنان والخوف .. هاتان يزيدان وجيب القلب كلما ذهب الى عمله، من الطبيعي ينفعل ويتفاعل كشعلة انفعال ، ويعمل في خذلان بعدما تبثه الفضائيات من حوادث الموت بشظايا مسكونة بالقلق اليومي .. جروح يومية اوقفته كثيرا بعموده المركز في الصحيفة اليومية او بخطوطه الكاريكاتيرية الماسحة ما حولة من واقعية في زمن يحمل رائحة الموت والكذب والرياء والادعاءات الفارغة ..
وعلى الرغم من هذه السموم الصاعدة الى دماغة من انفعاتلا عنيفة تغذيها السياسات بالاجماع، ومع ذلك كانت الشجرة تهدي له شكلا مغايرا عما يراه ويسمعه يوميا ، لذا استغرق تواصلهما قائما ايام طوال من خلال تميزها الجمالي، فارشة اوراقها سجادة خضراء ، تمتد من رقبة الزقاق وصولا لموقع الجريدة..
كانت فنار نزوله الذاهب الى تعب المهنة سعيا لا مشيا .. كان يراها تولد علامة دالة لا يخطئها النظر ، حقا ان  فضاءها المشحون بالوحدة تحيي مقدمة، وتعطي للسائق سماحة مساحة اوسع لوقوف مركبته .. تسلم على الجميع ، ترصده رافعة علم الحب فلعل اعلان الحب يكون بديلا عن اعلان الحرب، وفي كل يوم تجعله يتنفس الهواء النقي ، ولهذا لم يعد خافيا على سائقي الخط من التصاق الراكب بمكان نزوله وكانهما من طين متحابين ..
كان جميع زملاء الجريدة يتهامسون بتبعة تعلقه بصحابة الضفائر الداكنة الخضرة ، المنتصبة القامة،  هي ذات  الطول الذي بطول قامة حسناء او اطول  بقليل ، يقضي دقائق وقوفا تحت ظلها بعد انتهاء الزمن الممتد لبيته  في ظهيرات الصيف ، وسرعان ما يحس نسائم ربيعية باردة تهفهف بالعشق الذي يناسب سنوات عمرها المبكرة ..
كان ظل الشجرة يشم رائحة جسده المعروق كلما اقترب منها مرات عديدة .. يحدق فيها كما لو انه يشاهدها للمرة الاولى .. ذاك ما يحدثه ان يبتسم لها ، ومرة قال مخاطبا نفسه : سأكتب عنها قصة عنوانها : همس الشجرة ، ابين فيها متعة تخاطب الجسد مستخدما الرمز ، واجمع فيها المعاني الطيبة واعبر عن  احاسيسي ومشاعري واجسدها على شكل صور فنية متحابين من طينة واحدة ..
فكرة يوحي له بعالم الشجرة الذي وجد نفسه غارقا فيه .. يداعب مخيلته اثناء اتجاهه ركوب السيارة ، تاركا ظله القائم عند الشجرة ..
في اليوم التالي كالمعتاد ، جلس بين ركاب الكيا، وبين فترة واخرى يمد راسه من خلف الزجاجة الامامية .. ذاك ما يحثه على استدعاء الشجرة كي يراها وجها لوجه ، وصورتها تغور وتمور في ذهنه .. هز رأسه وتحدث مخاطبا نفسه : الم تكن امام البناية الزرقاء ؟
بينما كانت السيارة تلتهم اسفلت الشارع .. تلفت في كل الاتجاهات وهو يلملم نفسه .. ليس هناك من غيرها تداعب مخيلته التائهة ، يتتبع علامات الطريق تحت انهمار شعاع الشمس ، ولم يكن قد استرسل اكثر عندما لم تعد تسعفه النقطة الدالة بعد وصوله حدود شركة الجلود ، وقبل ان تتلاشى ملامح الطريق ارتفع نداء متخم بالنزول ..  
وفي حفيف الريح  التي تهب من وراء جسده ، عاد نحو رحم المكان .. طاف بصره حول المكان ، ومن اول وهله هاجت انفعالات عن ذاكرة تشده الى شوق الشجرة .. سار والشمس تفضح خطاه المتداعية الممتزجة مع نظراته المتخمة بيأس مسكون بالعجب الداخل جنة  بلا شجر ..
لا يدري ما حدث لاختفاء الشجرة ، كل ما فعله انه اغمض عينيه نصف اغماضه لاجل مراجعة قدراته الفكرية واختبار ذكائه ، وخلال ذلك يخفض راسه لينظر موقعها .. فقط المفاجأة والدهشة رسمت ملامحه فوق مكان الشجرة الغامض .. الشجرة وحدها اختفت بفعل فاعل .. هنا اذن بداية الخيط ، ومن غير ريب ، ان صاحب العمارة قد اقدم على فعلته .. هيمنت عليه فكرة ، وجودها ، يعتم ظهور معالم العمارة ، فانها حياتها تحت سيف الانقاض ، ومع ذلك دار حول مكانها ، وتوقف ، ليس على حالة جيدة ، سرعان ما عاود رواحه ومجيئه ، يلاحقه تساءل بقلق واضح ، ماذا حدث للشجرة ؟ رحلت من يشاركه في الاجابة على سؤاله المحير !..
حينها تملكته وحشه مفاجئة انتجته هذه الحالة التي امامه .. اخيرا لم يتحرك اختفاءها يذهب سدا لا سيما ان هناك ذكريات لا يمكن ان تترك او يتسلل لها النسيان .. صورتها تسري مع الدم في عروقه ، عندها حلف باغلظ التصميم على نزع اللثام عن وجه الفاعلين  ، وعلى ما يبدو دارت في رأسه فكرة ، تدحرجت الى صاحب العمارة ، وبعد ذلك ، عليه مواجهة المتهم بكل شجاعة ، اضافة الى ان شيئا ما رهيب قد حدث ، لا ريب انه عبث المصلحة الشخصية .. ترى هل هو بحالة الى مراجعة ؟ 
تساءل اثناء ما شاهد رجلا يخرج من هيكل العمارة .. تقدم صوب الرجل ليستفسر عن الشجرة التي لا زالت طرية على لسانه ، وهو يحاول كتم  اهتزازات وجع راسه .. وكان لقاء مشحونا بصدمة جعل فاهه فاغرا لولا تماسك ارادته وسيطرته على انفعالاته ، استمر وضعه هذا لحظات بعد ذلك ، استعاد انفاسه عندما نطق يسأل عما كانت ملء عينه وبصره ..
صعق بتيار العبوس السرمدي بعد سماعه معلومة لا تحتاج الى البحث عن استفسارات : ان سيارة الانقاض اكلتها وبلعت اوراقها وجذورها في احشائها واصبحت خارج الزمن اليابس والمكان الفارغ  الدامي في واقع الحياة هنا ، في مكان اشرقت فيه الشمس على صباح داخن بلون عبوة مصهورة ..
في ذلك الوقت ، اعطى ظهره للرجل والعجب يرتسم بين عينيه ، ويعيده الى جذور عمله ، وهو يردد : ان بعض الظن اثم ..   

التعليقات معطلة