Pdf copy 1

حتى اينشتاين نفسه لا يستطيع أن يصل إلى أدنى مستويات النبوغ والتفوق العلمي المذهل، الذي يحرزه أبناء المسؤولين في العراق، فالعبقرية صفة رسمية ملازمة لهم في العلوم والفنون والآداب، ولا يختلفون أبدا عن أقرانهم من أبناء الملوك والأمراء والرؤساء العرب. لا ريب أن هذا التفوق العلمي الباهر يعزا إلى غباء أنظمتنا الدكتاتورية، التي توحدت تماماً في هذا السلوك الغبي مع أنظمتنا الديمقراطية، لما تمتلكه من قدرات استعلائية هائلة تمنحها الصلاحيات الكاملة لإنجاب أفواج وأفواج من صغار العباقرة، في غضون فترات زمنية قياسية لا تخطر على بال عالم الرياضيات (فريدريش غاوس)، ولا على بال عالم الفيزياء (ماكس بلانك). وربما يعجز عالم الكيمياء وصاحب الجدول الدوري للعناصر (ديمتري إيفانوفيتش مندليف) من اللحاق بهم.لم تكن هذه الظاهرة معروفة في العراق قبل عقد الثمانينات، فقد كان (قيس) نجل الرئيس الراحل عبد الرحمن محمد عارف تلميذا بسيطا وعاديا في الكلية العسكرية، حاله حال أي تلميذ آخر، ينهض في الصباح الباكر، ويخضع للتدريب المرهق في ساحة العرضات، ولم يكن من ضمن الأوائل. بل لم يتمتع بأي صفة فوقية تميزه عن ضباط الجيش العراقي، ولا مجال لمقارنته بعدي صدام حسين، الذي منحوه أعلى المراتب العلمية في العلوم الهندسية، وأرفع الشهادات في العلوم السياسة، وأرقى الدرجات التأهيلية في الرياضة، وفي الفنون العسكرية، وفي الفروسية، والصيد، والسباحة، وفي الصحافة، وفي شؤون التعبئة والتسليح. دكتوراه وبروفيسور في كل شيء، فهو (هاري بوتر) و(رامبو) و(عبقرينو)، ولا يختلف عن (سيف الإسلام القذافي)، الذي جمع شهادات الدكتوراه في الطب والتجارة وفنون الطيران وفي كل شيء تقريباً، وكان ترتيبه الأول في كل المحاور.أما الآن فقد أصبحت شهادات (عدي) و(سيف الإسلام) موزعة على أبناء المسؤولين الكبار والصغار، ولا مجال هنا لذكر الأسماء تلافيا للوقوع في المهالك، فصفة العبقرية الخارقة هي الصفة الشائعة هذه الأيام عند الغالبية العظمى من أبنائهم وأحفادهم. لا فرق هنا بين المسؤول العلماني والمسؤول الإيماني. وما أكثر حكايات الذكاء المفرط التي يسخر منها الناس في جلساتهم الخاصة، من هذه الحكايات، يُقال أن كبير المسؤولين، المعروف بورعه وتقواه، أرسل نجله لأداء امتحانات الصف الثالث المتوسط، ففشل في الدورين (الأول والثاني)، لكنه اجتاز هذه العقبة بشق الأنفس في الدور الثالث، وبتوصية من السيد المسؤول المبجل، وبعد مدة أشركوه في الامتحانات النهائية للدراسة الإعدادية، فنجح في الدور الثاني (بالدفرات)، ثم أرسلوه إلى كلية القانون ليحصل منها على شهادة الليسانس في الحقوق، رغم انه لم يدرس ولم يتواجد في الكلية إلا في المناسبات. لكنه الآن يتبوأ أرفع المناصب في إحدى السفارات. ويتعين علينا أن نصفق بحماس لهذا الولد المغوار، فالعدل الذي نسمع به أحياناً في مواسم الانتخابات اختفى تماما تحت أقدام أبناء المسؤولين، ولم يعد له أي معنى في قواميس هذا السيرك السياسي.

التعليقات معطلة