فاطمة ناعوت
هل بالفعل سأعود إلى القاهرة بعد أسبوعين فلا أجد القلبَ الأنقى من بين القلوب التي عرفتها في وسطنا الثقافي الصعب؟ أين ذهب قلب «ابتهال سالم» الذي لا يعرف سوى الحب؟! لماذا طار قبل أن أمسّده بيدي وأخبئ فيه كلمة أخيرة؟ لماذا تختارين هذا التوقيت غير المناسب لي لتتألمي وحيدة وتمضي في هدوء كالملائكة التي تعطي ولا تأخذ، كأنما قلبك الممتلئ نعمةً ورحمة لم يعد يتحمل المزيد؟! (سخونية غريبة استمرت خمسة أيام وتشتد ليلا.. صداع ورغللة وفقدان توازن.. قال الطبيب فيروس في المعدة.. آه ياااانى! ). «سلامة رأسك المثقف من الصداع وقلبك النظيف من الوجع يا ابتهال يا حبيبتي.” هكذا همستُ لنفسي حين قرأت كلماتك الصعبة على فيس بوك وبيني وبينك محيطات وأميال. وقلتُ لنفسي، حينما أعود للقاهرة سوف أحضنك لآخذ عنك السخونة والوجع. فمثلك لا يجوز له إلا أن يحمل الفرح، مثلما تحملين الحب والفرح لكل من حولك مثل حمامة سلام بيضاء آسرة. فلماذا لم تنتظري قليلا حتى أعود لأحمل عنك الوجع؟! «صندوق صغير في القلب». صندوق في قلبك يا صديقتي. كان يحمل الكثير من الحنوّ والمحبة لكل الناس. لم أضطبك يومًا تذكرين أحدًا بسوء. ولم أر عينيك الطيبتين يومًا إلا وتلمعان بإشراقة الحب التي يخصّ اللهُ بها الأنقياء من أولاده. لم ألمحك يومًا إلا وتحملين كتابًا أو كتابين لكاتب واعد أو كاتبة واعدة من الكتّاب الجدد في بداية مشوارهم الأدبي الطويل الشاق. تُبشِّرين بالواعدين منهم وتدعمين اسماءهم وترتبين ندوات للموهوبين من النشء الطالع. نادرةٌ أنت بين المثقفين والأدباء لأنك أجبرتِ الجميع على محبتك، الأنقياء منهم والأشقياء. ما استطاع أحدٌ أن يفرّ من أسرك، لأن لك أيادىَ بيضاءَ على الجميع. ولا ينكر الجميلَ إلا جاحد.
منذ سنوات طوال، قرأ مازن ابني، وكان في بداية عامه العاشر، مجموعة قصائد فرنسية للأطفال من ترجمة الجميلة ابتهال سالم للعربية، وأبدى إعجابه بها مثلما أبدى بعض الملاحظات الذكية. فنقلتُ لها انطباعاته. فما كان منها إلا أن هاتفته وسمعت رأيه بنفسها وشجعته على كتابة هذا الرأي الطفولي، سلبه وإيجابه. وبالفعل نشرنا مقالته «النقدية» الصغيرة في مجلة «أدب ونقد» حينها. حتى الأطفال نالوا نصيبهم من تشجيعها على الإبداع والكتابة، وحتى النقد. في وسطنا الثقافي الصعب، نادرًا ما تصادف قلبًا مثل قلب ابتهال سالم. قلب يحتوي العالم، لأنه قلبٌ مبدعٌ خلاق. قلبٌ ممتلئ نعمة ونضوجًا واكتمالا، لا يعرف التهافت والتصاغر والتناحر من أجل صغارات. قلب نقي لم تلوثه الأحقاد والمطامع والغرور. بعد يومين سوف يقيم صديقنا الجميل «شعبان يوسف»، حفل تأبين في ورشة الزيتون للجميلة التي طارت وتركتنا. مساء بعد غد الاثنين، سوف يحتشد الأصدقاء لتوديع عصفورة الأدب ابتهال سالم، ولن أكون بينهم! تبًّا للأميال التي تمزّق خيوط الوصل وتصدّع جسور القربى. ستكون السابعة مساءً في القاهرة حين تقفون دقيقة حدادًا على الجميلة التي غادرتنا مبكرًا، وسأكون في الصباح الأمريكي بكاليفورنيا واقفةً معكم في حدادكم. لكن قلوبنا المصدوعة بالحزن لفراقك لن تبكي بل سنغني ونحن نزفّك عروسًا بهيةً للسماء حيث تنتمين أكثر مما تنتمين إلى هذه الأرض الشقية بالوجع والآلام. سأطلب من صديقي النبيل شعبان يوسف أن يقرأ كلمتي هذه كأنني معكم في عرس انتقالك للفردوس في حضرة الله الذي منحك كل هذا البهاء، ومنّ علينا بصديقة مثلك، لا تُنسى أبدًا لأنها حفرت في أرواحنا ملامحها المشرقة بالنبل. لن أنسى التماع عينيك وإشراقة ابتسامتك حين تلتقي عيناك بعيني على باب حديقة الأتيلييه أو في بهو ورشة الزيتون أو في قاعة من قاعات المجلس الأعلى للثقافة أو في مدرج اتحاد الكتاب. طيري ما شاء لك الطيران يا عصفورة الجنة، واتركي لنا قلبَك الذي نحتاج إليه بيننا ليعلمنا الحب والتحضر. سنُبقي عليك في صندوق أسرارنا كأحد أثمن نفائسنا. قلب ابتهال سالم.

