Pdf copy 1

صارت المشاهد الدموية العربية البشعة من المواد الإخبارية الملازمة لنشرات الفضائيات العالمية، المتخصصة بنقل مجازر المجاميع الظلامية الهائمة في البراري، والتي لا شغل لها هذه الأيام سوى استعرض الجثث المشوية، والرؤوس المقطوعة، والنساء المسبية، والمقابر الجماعية للأطفال. لا مجال لمقارنة هذه الأفعال الشنيعة بسلوك الحيوانات المفترسة، التي لا تفترس صغارها، ولا تمارس الصيد الهمجي من أجل اللهو واللعب والانتقام، فيا من نزعتم الرحمة من قلوبكم. لا تكن الحيوانات أرحم منكم. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.
حتى الفهود والأسود تتراحم فيما بينها، وتتصرف بفطرتها الطبيعية، فالوحشية والتوحش ليست من صفاتها الدائمة، فهي تصطاد لتأكل، وتتوقف عن الصيد والمطاردة حالما تشعر بالشبع، ولا تقحم نفسها في معارك خاسرة. ليس التهور من ثوابتها ولا من طباعها، فهي تحرص أشد الحرص على أمن القطيع، وتسعى لضمان سلامة أشبالها وحماية صغارها.
كلنا شاهدنا الفيلم، الذي عرضته قناة ناشيونال جيوغرافي، لتلك النمرة الجائعة التي اصطادت قردة حامل، فقتلتها بضربة قاصمة، لكنها فوجئت بخروج قردة صغيرة من رحم القردة الميتة، فتركت صيدها وتوجهت لاحتضان القردة الوليدة، فأرضعتها من لبنها، ووفرت لها الدفء والحماية والرعاية. لكنك لن تجد هذا التراحم الحيواني في قلوب الضباع العربية الهائجة، التي أضرمت نيران الفتنة الطائفية في المضارب العراقية والسورية والسودانية واليمنية والليبية والمصرية، فالقتل الفردي والجماعي، والقتل العشوائي وعلى الهوية، والقتل من دون تمييز بين طفل وشيخ وعجوز، هو الذي صنع هذه الهوة العميق، التي فجرتها عبواتهم الناسفة وصواريخهم القاصفة. حتى صارت صناعة الموت والدمار، وصناعة التهجير والاغتصاب من الصناعات العربية المتنامية والمنتشرة في عموم الوطن العربي.  
فوضى ومعارك متواصلة في العراق. مجازر وكوارث إنسانية في سوريا. مواجهات وانتهاكات متكررة في ليبيا. عصابات متشددة تعبث بأمن المدن العربية. ميليشيات مسلحة تهدد عامة الناس في مصر. طائرات تقصف اليمن بلا رحمة، وتقصف بنغازي من دون توقف. اغتيالات بالجملة. انتحاريون وتكفيريون يعبِّرون عن رغباتهم الدموية الموروثة، ويمارسون القتل العشوائي بفتاوى يطلقها فقهاء العربان في كل مكان.
خطباء مساجد تركوا كتاب الله وراء ظهورهم، واتبعوا ما تتلوه عليهم أبالستهم وعفاريتهم، فأطلقوا العنان لغرائزهم الشيطانية، وجندوا أنفسهم لتحريض الشباب على القتل والذبح والسبي ومصادرة الحريات وارتكاب المحرمات.
لا شك أن قطعان البهائم المجبولة على العنف – على اختلاف سلوكها الحيواني – أشرف وأنبل وأشجع من القطعان العربية المنساقة على غير هدى وراء الرذيلة. فما من طائر يطير بجناحيه، ولا دابة من دواب الأرض، إلا وتعرف حدود الرحمة والتراحم فيما بينها، وتميل في سلوكها نحو الاستقرار والسكينة، فتراها تبحث عن الملاذ الآمن، وتلجأ إلى أعلى الجبال، أو إلى بواطن الوديان السحيقة حتى تنعم بالأمن والأمان، وحتى تتآلف وتتعايش وتتمتع بما وهبها الله من موارد طبيعة. أما نحن فعلى الرغم من مواردنا الهائلة أصبحنا فرجة للشعوب والأمم في كل القارات.

التعليقات معطلة