Feature

جوناثان بيرنشتاين 
نسمع منذ زمن جملتين غريبتين لهما رائحة عراقية بامتياز, وفيهما شيء من سخرية غير واضحة الهدف, وفيهما ايضا رغبة في الانتقام مع عدم القدرة على التنفيذ. وربما يفكر القارئ بهاتين الجملتين اللتين اعنيهما لأن قاموس العراقي صار مليئا بمفردات لا تقدم ولا تؤخر.
الجملة الاولى: «هي خربانة»
والجملة الثانية: «اليوم احسن من باجر»
اسمع الجملة الاولى دائما حين اشاهد تدفق الماء الصافي من انبوب مكسور دون ان يهتم أحد بإصلاحه او الاتصال بالدائرة المعنية بالامر. وعندما احاول ان اخبر صاحب المحل القريب من ذلك الانبوب عن سبب هذا الاهمال, يجيبني بلا مبالاة مدمن: «هي خربانة».واذا قلت لصديق مثلا: «يا اخي لا بد من تقديم شكوى ضد المدير» فان الاجابة القاطعة التي تشبه سيفا رومانيا تنزل على رأسك بقوة هي: «ميفيد هي خربانة».
اما الجملة الثانية فتستخدم في المواقف الصعبة, والحوادث الخطيرة, او السرقات الضخمة, لكن هاتين الجملتين تعكسان مزاجا واحدا يمكن وصفه بأنه مزاج يائس حيادي لا يملك القدرة على التفكير بالمستقبل أبدا.
لو اردت ان احدد  كلامي أكثر لقلت بعبارة صريحة ان كل عباراتنا اليوم هي عبارات ساخرة تقال لتبرير الوضع الصعب الذي نعيش فيه. وهذا يعني ان اللغة نفسها تتحول الى اداة غير نافعة لأنها تريد ان تتحول الى اداة غير اجتماعية. لذا انا ارى ان احد اهم نقاط تشابهنا مع هاملت هو في هذه السخرية والرغبة في الانتقام التي كانت تدمر روحه. في مشهد مسرحي ذكي يسأل احد الممثلين هاملت هذا السؤال: ماذا تقرأ؟, فيجيب: كلمات. كلمات..كلمات. هكذا اذن هي المشكلة, اللغة وقد صارت مجرد كلمات لا قيمة لها. وبلا اي اندفاع او تسرع يمكن القول ان جملنا الكثيرة وعلى الاخص الجملتان الفارغتان السابقتان هما من هذه النوعية التي لا اطيق سماعها.هاملت يشبهنا كثيرا ليس في طبيعة رد فعله ولغته وسخريته ولكنه يشبهنا ايضا في انه ضحية وضع سياسي لا يرحم، فكما اننا نعيش واقعا سياسيا صاخبا, ومعقدا, ولا احد يعرف اين ستنتهي بنا كرة الاحداث المقفلة، فكذلك وجد هاملت نفسه امام جريمة قتل كان ضحيتها ابوه الملك وكان القاتل هو العم الذي تزوج من ام هاملت. ماذا يمكن ان يحصل في ظرف سياسي بشع كهذا؟. بلا شك سيكون الانسان محطم الاعصاب, وساخرا, وراغبا في توجيه ضربة قاضية للخصم.ان اللامبالاة التي اشاهدها في ابسط التصرفات تقودني الى تذكر هاملت في محنته, وبحثه عن خطة ينفذ بها انتقامه. وانا في واقع الحال اركز كثيرا على اللغة التي اسمعها وأبحث فيها عن اماكن رخوة تبين كم نحن مهمومون بالسياسة, وقصصها التي لا تصدق، ودهاليزها التي لا يمكننا تخيلها.اعترف اننا نسخة طبق الاصل من هاملت لكننا نسخة من لحم ودم, ونعاني يوميا من حوارنا الداخلي او «المونولوغ» السياسي كما يسمى في لغة المسرح، وكل من يحدث نفسه وهو سائر فهو هاملت جديد.

التعليقات معطلة