فيليب بونس
مقياس الحكم على صواب نهج سياسي هو قدرته على توجيه دفة الأمور إلى منحى إيجابي. ولكن سياسات أميركا وحلفائها إزاء كوريا الشمالية لم تفلح في تقييد طموحات بيونغيانغ النووية ولا تخفيف معاناة الشعب. والأزمات تتوالى وتتناسل. فالتوتر يلف شبه الجزيرة الكورية من جديد، إثر تجارب كورية شمالية باليستية ونووية، وتشديد العقوبات الأممية عليها في مطلع آذار (مارس) المنصرم، وإجراء مناورات عسكرية أميركية – جنوب كورية وتدريبات على احتلال البلد هذا. وخلصت بيونغيانغ إلى أنها في مرمى هجوم محتمل. ولذا، بدأت تلوِّح بتهديدات (محو قصر الرئاسة في سيول عن الخريطة)، وأطلقت صواريخ.
ويسدل هذا الاستعراض الحربي حجاب الغموض على مسألتين بارزتين: صدقية إعلان بيونغيانغ الإلمام بتكنولوجيا تصغير الشحنات النووية وبلوغ صاروخها الطويلة الأمد المدار؛ والغاية من العقوبات الأممية ونجاعتها. وتطعن واشنطن وسيول في صدقية التقدم التكنولوجي الكوري الشمالي. ولكن الخبراء لا يوافقونهما الرأي. فبيونغيانغ سبق أن فاجأت المراقبين: وفي 1998 أطلقت صاروخاً يحمل قمراً صناعياً، ثم أجرت تجربتها النووية الأولى في 2006. ومنذ 2012، أعلنت الجمهورية الشعبية الديموقراطية الكورية أنها قوة نووية. ولا شك في أن الغموض لم يتبدد بعد عن قدراتها الفعلية. ومن العسير إغفال انها تحرز تقدماً وتمضي قدماً في تطوير قدراتها العسكرية. وإذا كانت حازت فعلاً تكنولوجيا تصغير رؤوس الصواريخ ونجحت في إطلاق صواريخ إلى المدار، اجتازت مرحلة لا يستخف بها. وأعلن كيم يونغ أون أن بلاده حازت الردع النووي، إثر إنجازاتها الأخيرة.
ونشرت دورية «حزب العمل»، «رودونغ سينمون»، صوراً للرئيس الكوري الشمالي وهو يتفحص جهازاً مستديراً يفترض أنه رأس صاروخ، أثناء زيارته مستودعاً تخزن فيه صواريخ من نوع «KN-08» (مداها من 5000 إلى 6000 كلم). وعلى رغم التباين أو التناقض بين تصريحات بيونغيانغ (إعلان النجاحات) وواشنطن (تقليل شأنها)، لا يستخف بتوقيت إعلان كيم يونغ أون هذه التطورات عشية مؤتمر «حزب العمل»- وهو مؤتمر يرمي إلى تعزيز مكانته داخلياً ودولياً. فهو رهن صدقيته الشخصية بها (التطورات). ويرى جيفري لويس، مدير برنامج الحد من الانتشار (النووي) في شرق آسيا في معهد ميدلبوري للدراسات الدولية، أن أوجه الشبه كثيرة بين نموذج الجهاز الذي عرضته كوريا الشمالية وبين الأجهزة التي طورت في الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي في ما مضى. ويبدو أنه أول جهاز قادر على الدوران في المدار. ولكن هل ما يترتب على الدوران في المدار هو فعلاً حيازة الردع النووي على ما أعلنت بيونغيانغ؟ يرى الخبيران في شؤون التسلح، جوزيف برميديز وهانري كان، أن تطوير كوريا الشمالية رؤوساً نووية مصغرة غير مستبعد ولا يجوز الاستخفاف بزعمها.
وإذا ثبت فعلاً أن بيونغيانغ طورت مثل هذه القدرات، فليست العقوبات الرد المجدي إذا لم ترفق بخطوات أخرى. والعقوبات فرضت بعد فوات أوان شل برنامج نووي بلغ مقاصده. وعليه، يجب تغليب كفة الحوار وسبل الحؤول دون مخاطر الانتشار الأفقي على كفة العقوبات. وهذه حظوظها ضئيلة في ثني بيونغيانغ عن مواصلة برنامجها النووي. ونجاعة العقوبات هي رهن سياسة الصين. ويتصدر أولويات بكين استقرار جانبها الشرقي. ولذا، لن تضيّق على نظام بيونغيانغ مخافة أن يختل توازنه فيقوض اقتصاد المحافظات الحدودية الصينية – الكورية الشمالية. والتبادلات التجارية الكورية الشمالية مع الصين تدور على التهريب، ويعصى ضبطها. ووقف هذه التبادلات يخلف أثراً كارثياً في المدن الصينية مثل داندونغ. واكتسبت كوريا الشمالية مهارات في الالتفاف على العقوبات. ولكن، ما الجدوى من تشديدها؟ فهي تهدد بإطاحة اقتصاد السوق الذي بدأت عجلته تدور في السنوات الأخيرة في كوريا الشمالية. ونجم عنه بروز «بورجوازية حمراء» وقد يساهم في رفع مستوى عيش عامة الكوريين الشماليين وتغيير وجه النظام في الأمد الطويل.

