هيفاء بيطار
ما أكثر البرامج والندوات التي تتحدث عن عمالة الأطفال في عالمنا العربي، وما أكثر التقارير التي تقدمها منظمات حقوق الطفل والإنسان ، لكن رغم كل هذا الاهتمام الإعلامي لم تختف هذه الظاهرة لأنها لم تعالج السبب الحقيقي لعمالة الأطفال وهو فقر الأسرة، وعدم قدرة الأب أو الأم على العمل الكافي لسد رمق الأطفال وتأمين حياة كريمة لهم. كل الدراسات كانت تركز على رأس هرم المشكلة وليس على القاعدة التي يجب أن تنطلق أساسا من وضع الأسرة التي تدفع بأطفالها إلى العمل، ومن خلال متابعتي لحالات عديدة لعمالة الأطفال تبيّن أن معظم هؤلاء الأطفال يعانون من غياب الأب، إما استشهد أو التحق بمنظمة ، أو هو معطوب ومريض -وهي الحالة الأقل- ففي غياب الأب تضطر الأم المسؤولة عن تربية عدة أطفال أن تدفع بابنها الطفل الأكبر -وتكون أعمارهم بين 8و12 سنة- للعمل في التسول أو لدى تاجر أو يكون أجيرا. وغالبا ما تكون عمالة الأطفال مُنظمة يُشرف عليها رجل يجمع الأطفال ويوزّعهم في مهن عديدة منها النبش في القمامة وفرزها أو التسول أو العمل كأجراء لدى تجار أو صناعيين فيكونون بذلك متعرضين لكل أنواع المواد المؤذية وشروط العمل اللاإنسانية، ومحرومين من المدرسة وإكمال التعليم وهو الأهم. المؤلم أن معظم هؤلاء الأطفال كانوا مجتهدين في المدرسة وآلمهم انقطاعهم عن الدراسة، ولا أنسى منظر طفل يضع بجانبه علبة بسكويت من أرخص الأنواع ويجلس على الرصيف ليلا غير مبال بالعتمة والبرد والغبار الذي يثيره المارة ويحلّ وظائفه، تبين أنه يتابع دراسته ليلا بعد أن يقضي نهاره متسكعا ومتسولا وهو يبيع البسكويت. ومعظم هؤلاء الأطفال يتعرضون لشتى أنواع التحرش والأذى الجسدي والمعنوي، وهم هائمون في الشوارع بلا حارس أو رقيب يهتم لمصلحتهم، وتبيّن لي بعد أن تابعت حالة العديد من الأطفال الذين يبيعون بضائع تافهة كالتفاح المصبوغ بالأحمر أو العلكة أو البسكويت أنهم يتنشقون الصمغ، وهي مادة مخرّبة بشدة للدماغ ولها تأثير مُخدر ومُشوش للوعي، حتى أن أحد الأطفال الذي يبيع التفاح في اللاذقية يظل مطروحا على زاوية الرصيف بحالة نصف وعي وهو يتنشق باستمرار قطعة الصمغ في يده وبجانبه طبق من التفاح المتعفن المصبوغ بالأحمر، ويلبس ثيابا عتيقة ممزقة وحذاء من النايلون، بائع التفاح هذا طفل خذله الجميع .
لا أنكر الجهود الحثيثة التي تقوم بها بعض الجمعيات الخيرية، لكنها أشبه بنقطة ماء في محيط، فهي تصل لعدد محدود من الأطفال وتلحقهم بمدارسها الخاصة المخصصة للنازحين، وغالبا ما يكون لهؤلاء أسرة تهتم لمتابعتهم الدراسة، أما الآلاف من الأطفال في الشوارع فهم المأساة الحقيقية، وحتى اليوم لم تُحلّ مشكلتهم ولم يعودوا إلى المدرسة، ولا زالوا مضطرين لإعالة أسرهم الممزقة المدقعة من الفقر، ويُقدمون كإحصائيات وبرامج وثائقية تربح من ورائها الفضائيات الكثير. إن الحل الفعلي لعمالة الأطفال يقع على مسؤولية الدولة التي تشهد كل يوم الآلاف من الأطفال الذين يتسولون ولا تُحرك ساكنا، وتمر الأيام والسنوات والجريمة مستمرة بحق أطفال العمالة، حتى أن الناس تعودوا عليهم كما لو أنهم صاروا أشبه بقطع البازل في لوحة حياة بائسة ظالمة.

