Pdf copy 1

       عدنان كريمة
لم يصدق خبراء صندوق النقد الدولي خطورة تحول العراق تدريجاً إلى بلد يزداد فيه الفقراء الذين بلغ عددهم سبعة ملايين شخص أو 23 في المئة من السكان، وهي نسبة مرتفعة جداً لبلد «غني» مثل العراق لُقِّب يوماً بأنه «مارد نفطي»، كونه يحتل المرتبة الخامسة عالمياً لجهة احتياطاته النفطية المقدرة بنحو 140 بليون برميل، وثاني أكبر منتج في «أوبك» بعد السعودية، وهو قادر على تصدير أكثر من أربعة ملايين برميل يومياً.
وفوجئ الخبراء بضخامة الأزمة المالية التي يعانيها العراق وخطورة تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية في ظل استمرار «الفساد السياسي» الذي تسبب بهدر نحو تريليون دولار، خلال عقد ونيف من الزمن، خصوصاً في عهد رئيس الوزراء السابق نوري المالكي (2004 – 2014). وتبين للصندوق أن ثمة أربعة أشخاص فقراء بين كل عشرة نازحين، وأن حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي انخفضت من سبعة آلاف دولار سنوياً إلى أربعة آلاف، وأن نسبة البطالة تفاقمت إلى أكثر من 25 في المئة، بسبب تراجع أسعار النفط، لذلك وافق على منح العراق قرضاً قيمته 5.34 بليون دولار لتنفيذ سياسات اقتصادية ومالية تساعده على مواجهة انخفاض أسعار النفط والحرب ضد تنظيم «داعش»، وضمان بقاء الدين في حدود يمكن الاستمرار في تحملها. وتسلمت حكومة بغداد الدفعة الأولى من القرض وقيمتها 634 مليون دولار، من أصل 13 دفعة، على أن تتسلم الدفعتين الثانية والثالثة بنحو بليوني دولار قبل نهاية العام الحالي، ثم تتسلم الدفعات التالية عند استحقاقها في السنتين المقبلتين.
وبما أن العراق يواجه أخطاراً على مستوى الأمن والمؤسسات هي الأعلى بين كل الدول السيادية، وكنتيجة طبيعية لتدهور وضعه المالي، تراجع تصنيفه الائتماني إلى درجة «B-»، الأمر الذي أفقده «ثقة دولية» أدت إلى فشل محاولات كثيرة منه للاقتراض بسندات يطرحها في الأسواق العالمية. لكن بعد حصوله على قرض صندوق النقد، يأمل بأن يكون استعاد ولو جزءاً من هذه «الثقة» للإفادة منها في تحسين تصنيفه الائتماني، وبناء مظلة مالية تمهد لتقديم الدول الصناعية الكبرى (مجموعة السبع) تسهيلات ائتمانية له بمبالغ قد تصل إلى أكثر من 15 بليون دولار خلال ثلاث سنوات، ويمكن أن يرتفع الرقم إلى 20 بليون دولار عام 2019 بعد إضافة قروض خارجية أخرى، أهمها قرض من «البنك الإسلامي للتنمية» بقيمة ثلاثة بلايين دولار. لكن على رغم ضخامة مجموع هذه القروض في حال نالت الموافقات النهائية، فهي لا تكفي لتلبيه حاجة العراق، فالبنك الدولي وصندوق النقد قدّرا حاجته إلى 50 بليون دولار بين عامي 2016 و2019 لتجاوز الضائقة المالية التي يمر بها.
أما الشروط القاسية التي فرضها صندوق النقد ووافقت عليها حكومة بغداد، فهي تلزم العراق بإصدار قانون للإدارة المالية، وإدخال هيئة النزاهة كطرف فاعل في المتابعة المستقلة للاتفاق، واعتماد وثيقة الأمم المتحدة الخاصة بمكافحة الفساد، وتعديل قانون المصرف المركزي، خصوصاً لجهة ضبط طرح الدولار في الأسواق عبر المصارف ومنع تهريب العملة الأجنبية ومكافحة غسل الأموال، وتقييد وزارة المال بأسس جديدة وإخضاع الديون الخارجية والداخلية للتدقيق، وخفض النفقات في موازنة الدولة، وإخضاع كامل الرواتب والمخصصات لكبار موظفي الدولة لضريبة دخل تراوح بين 7.5 و15 في المئة، أما الدرجات الوظيفية الدنيا فتفرض عليها ضريبةً على الراتب الاسمي فقط من دون المخصصات. ولضبط عملية إنفاق القرض، والتحقق من إنفاقه على الأغراض التي جرى تخصيصه من أجلها أصلاً، وتحقيق أهدافه الرئيسة، سيقع عبء التنفيذ والمتابعة على عاتق الأطراف الدولية المشاركة والداعمة لاتفاق القرض، وليس على عاتق الحكومة العراقية وحدها. وفي موضوع القرض الممنوح للعراق، ثمة علامات استفهام حول مدى قدرة حكومة بغداد على دفع أقساط هذا القرض في مواعيدها، خصوصاً أن ما يقلق المسؤولين الدوليين هو الفساد المستشري في أجهزة الدولة والذي قد يؤدي إلى إهدار الأموال المخصصة على أغراض لا تخدم الاقتصاد الوطني، علماً بأن قرض صندوق النقد يمثل التزاماً على المقترض بإعادة المبلغ مع الفوائد خلال مدة زمنية محددة، وبخلاف ذلك يتحمل المقترض فوائد إضافية عند حصول تأخير في التسديد، فضلاً عن إجراءات عقابية أخرى، الأمر الذي يتطلب تأمين الأموال اللازمة قبل موعد استحقاق الأقساط، في حال استعمال القرض لأغراض استثمارية مدرة للدخل، أما في حال استعماله لأغراض استهلاكية فقد يواجه البلد المقترض صعوبات في التسديد. بالنسبة إلى العراق، لم يُخصَّص القرض لتمويل نشاط استثماري أو إنتاجي، باستثناء جزء مخصص لمستحقات الشركات النفطية عن أعمالها لتوسيع الطاقة الإنتاجية، ما يدل على أن التسديد سيعتمد على العائدات النفطية التي لا يتحكم بها العراق، بل الأسواق العالمية، فيسهل التسديد كلما ارتفعت الأسعار وزاد الإنتاج، وعكس ذلك يواجه البلد صعوبات في التسديد وضغوطاً اقتصادية ومالية. وإضافة إلى التأثيرات السلبية الناتجة عن خفض الإنفاق العام وتقليص الخدمات العامة، يرى خبراء أن خفض معدلات الدعم في شكل عام، خصوصاً دعم أسعار السلع الأساسية، من شأنه أن يقلل قدرة الفقراء والمحدودي الدخل على مواجهة متطلبات الحياة اليومية. تبقى الإشارة إلى أن ارتفاع حجم القروض يؤدي إلى ارتفاع حجم الديون الخارجية البالغ نحو 65.5 بليون دولار، ويرتفع هذا الرقم إلى 96 بليوناً بعد إضافة الديون الداخلية للعراق.

التعليقات معطلة