Pdf copy 1

سمير السعد

ما يواجهه رئيس الوزراء حيدر العبادي يعدّ أزمة مركبة باستثنائية مميزة في تنوعها: أزمة سياسية، وأزمة اقتصادية،  وأزمة أمنية، وهذه كلّها أزمات معقدّة وكبيرة، وليس من السهل التعامل معها، غير أن تصنيف ما يواجه العبادي من عقبات يمكن اختصاره إلى صنفين: أولاً سياسية، وهي العقبة الأصعب، فالشركاء السياسيون جميعهم بينهم أزمة ثقة, والمحاصصة وسطوتها تسعى إلى تحطيم أي مسعى للإصلاح حقيقي, وهذا علاوة على مؤامرات السياسيين على بعض البعض والصراع للاستحواذ على السلطة. ثانياً اقتصادية إدارية، وهي عقبة انهيار أسعار النفط, وتذبذب معدلات الانتاج المحلي, وضرب كردستان بعرض الحائط كل الاتفاقات النفطية للتصدير (خسارة الحكومة المركزية لخط الشمال وتنتاج كركوك لصالح حكومة إقليم كردستان كان اخرها), كل هذه المعوقات خارجة عن الإرادة والتحكم، ولا يمكن للعراق أو الحكومة التعامل معها كونها أصبحت واقع يجب العمل على أساسه بتجاوز الأزمة. إضافة إلى تكاليف الحرب على «داعش» والإرهاب في العراق والتي استهلكت الخزين المالي العام بشكل كبير. والقصد هنا من العقبة الإدارية، فعلينا البدء من نقطة «فريق عمله»، إذ لازال العبادي يسلك نفس سلوك من سبقوه بمسألة الاستعانة بأشخاص (مستشارين, وغيرهم)، وهو يظن أنه يثق بهم أو على أساس الثقة بأنهم يميلون له جرى تعيينهم، لا على أساس الإمكانيات المهنية والعملية والخبرة، الأمر الذي يشكل خلل كبير على أداء فريق عمل الحكومة بسبب أن العبادي يثق بهؤلاء، لكن هؤلاء نفسهم يفتقدون للمهنية والخبرة! على الجانب الآخر، وهو إداري أيضاً، فإن مؤسسات الدولة التي يديرها الوزراء وغيرهم، فهم كارثة يواجهها العبادي، إذ أن غالبية هؤلاء  يعملون بشكل مستقل، وبعيد عن التناغم كحكومة وهذا واضح تفسيره بشكل بسيط، فهولاء ولائاتهم لأجندات أحزابهم، بالإضافة إلى عدم الكفاءة في عملهم، والفساد الذي يلاحقهم. وفي الواقع، فإن ما طرحه العبادي من إصلاحات لا تداوي جرح، وهي خطوات اجتهادية للإرضاء الإعلامي فقط، فالحل الصحيح يجب أن يستهدف الأساس الخاطئ (المحاصصة). والآن، فإن العبادي أمام مسارين يجب أن يعمل عليهما بشكل جدي وبأعلى درجات الحرص والثبات: أولاً، يمكنه أن يعلن عن دعوة لاجتماع (مع تحديد الموعد بشكل واضح) موسع يدعوا فيه كل الأحزاب السياسية وقادتها المتحاصصين في العملية السياسية والدولة العراقية لتوقيع اتفاقية علنية برعاية وبدعم المرجعية الدينية (بتنوعها)، وتظهر علناً بإلزام الأحزاب السياسية بالاتفاق بالابتعاد عن المحاصصة.  لكي يبدأ خطوات إصلاحاته التي يمكن بنائها. وبطبيعة الحال، فإن دعوة العبادي ستواجه، بالتأكيد، بعراقيل كبيرة جداً، ورفض وتسويف وتشهير من قبل الساسة (الشركاء)، ويمكن أن تفشل هذه الدعوة إن تمكن من إطلاقها –ولكنه سينجح في أن يخلق حد فاصل واضح للرأي العام بينه كرئيس مجلس الوزراء وكل ساسة الأحزاب وقياداتها– ويضعهم عراة أمام الشارع العراقي. على أن يلتزم بتحديد الموعد ويتأكد من دعم المرجعية له في هذه الدعوة. ومن الممكن أن تخلق هذه الدعوة انعطافة كبيرة في دعم الشارع له بعد هذا الفتور واتهامه بالسلبية وعدم الفاعلية. كما أن على العبادي تشكيل فريق قانوني ومهني عالي المستوى (والاستعانة بشركات عالمية)  للبدء بعملية استرداد الأموال من الفاسدين والأموال المهربة، ونحن هنا نتكلم عن أكثر من 330 مليار دولار –لو تمكن خلال عام استرداد ثلث هذا المبلغ فسيخرجه من الآزمة المالية- وهذا ما لا يحققه له الاعتماد على الانتاج النفطي في عام، غير أنه لا إصلاحات في ظل المحاصصة في كل تجارب العالم. بالمقابل، فإنه فيما يخص الإصلاحات الاقتصادية والادارية على مستوى مؤسسات الدولة، فهذا حديث يكون سابق لأوانه ما لم تتحقق الخطوة الأولى وهي الإصلاحات السياسية. نعود لنسأل هل سيتمكن العبادي من الاستفادة من الزمن المتبقي له في الحكم، وهو قصير ومليء بالتحديات الداخلية والخارجية؟

التعليقات معطلة