عادل عبد الحق
المتابع للشأن العراقي منذ عام 2003 والى الان يعرف جيداً مدى تأثير المرجعية العليا في النجف الاشرف المتمثلة بآية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني على هذا الشأن وعلى الاصعدة والمستويات كافة. وكان دور السيد المرجع واضحاً منذ البداية، فقد دفع وسط غياب تام للدولة بكل مسمياتها ومفاصلها إلى تأسيس الدولة المدنية وكتابة دستور للبلاد وإجراء انتخابات عاجلة تتمخض منها حكومة عراقية تستطيع إدارة البلاد والخروج من تحت عباءة المحتل.
واستمرت التوجيهات من على منبر الجمعة إلى أن تمت الأمور التي أرشد إليها المرجع الأعلى ليتحول بعدها إلى مُراقب للعمل ولوضع البلاد العام، ولم تخلوا خطبة من الخطب من إرشاداته وتوجيهاته وحَثهِ. وبعد بروز هذا الدور الكبير للسيد المرجع، وما لُمسَ منهُ من قراءة ثاقبة للوضع العراقي وما يُحيط بهِ إقليمياً ودولياً أصبح قبلة لجميع الوافدين إلى العراق من سياسيين ودبلوماسيين وهيئات وبعثات أممية ودولية وعربية ومحلية.
لم يكن السيد السيستاني مرجعاً لطائفة معينة بالعراق أو غيره، بل كان وما يزال أباً لجميع العراقيين بمختلف طوائفهم وإنتماءاتهم وقومياتهم، فقد إستطاع، وفي أحلك الظروف التي مر بها العراق والعراقيين، أن يخمد نار الفتنة ويؤد مخططات الأعداء بحكمته وأبوته وإطلاعه الواسع على مجريات الأمور.
وتحول المرجع الأعلى بعد فشل السياسيين بإدارة الدولة وإتخاذهم لأسلوب بغيض في تقاسم السلطات إلى داعٍ لمحاربة الفساد المستشري وإدارة البلاد بطرق صحية سليمة تستطيع النهوض بالعراق من تحت ركام ما مر به ودعا إلى الضرب بيد من حديد على جميع الفاسدين مهما علا شأنهم ومكانتهم.
ولكن كان ظرف العراق من سيء إلى أسوء حتى جاء اليوم الذي صعق العراقيين باحتلال داعش الإرهابي لأكثر من ثلث العراق في ليلة وضحاها، فبرز المرجع الأعلى مجدداً ليطلق فتواه العظيمة بالجهاد الكفائي للدفاع عن العراق ومقدساته واسترجاع ما تم احتلاله من قبل الإرهابيين وتدمير مخططات المستعمر التي كانت ترنوا إلى تقسيم العراق، فلم يجد من العراقيين شعبا وجيشا وقوى أمنية إلا السمع والطاعة ومنذ اللحظة الأولى إنطلقت جموع المجاهدين إلى ساحات القتال ومراكز التطوع التي اغتصبت بهم ولم تعد تحتويهم لكثرتهم، فتوالت الانتصارات الانتصار بعد الآخر حتى حُرر كل ما تم احتلاله وعودة اغلب الأهالي إلى مناطقهم.
إن الحديث عن المرجع الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله الوارف وبركاته) ودوره في الحفاظ على العراق يطول ويطول ولا يمكن لأسطر قليلة أن تحتويه لأنه كان بحق (أباً للعراق والعراقيين جميعاً) وما زال يرشد ويوجه ويدفع إلى عراق حر يحكمه أبنائه خالٍ من الفساد والطائفية والمحاصصة والتدخلات الخارجية.
تعرض المرجع الأعلى قبل أيام قلائل إلى عارضٍ صحي استوجب تداخلاً جراحياً عاجلاً ولله الحمد تكللت العملية الجراحية بالنجاح وعاد (الأب) إلى بيته في النجف الاشرف وقال عنه الأطباء انه بصحة جيدة وفي طور التأهيل ولا خوف عليه.
هنا تتجسد الأبوة التي اتخذها هو لنفسه ولم يفرضها على أحد من العراقيين على أرض الواقع فما أن أعلن عن إصابته حتى ضج العراق بأكمله وملأت النفوس خوفاً على صحة صمام أمان العراق واشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بعشرات الآلاف الصور للمرجع والدعوات والتضرع للسيد بالشفاء والعافية، وأطلق عليه الناس عشرات الألقاب والصفات التي يرونها فيه.
المرجع الأعلى بدورهِ وحتى في هذه الحالة لم يترك شعبه وأهله وكان يدعو للعراق والعراقيين في أثناء إجراء العملية له وهو تحت التخدير المناطقي (الموضعي) فاستحق بكل المعاني لقب (العراق وصمام الأمان والأب) وغيرها الكثير، ونقول له بشغف وصدق متناهي عد معافى فنحن بحاجتك و(سلامات أبا العراق).