Pdf copy 1

محمد عبد الجبار الشبوط 
ابتداءً، وقبل ان اشرح ما اقصده بكلمة «الفخ»، اعيد ذكر المقدمات الاساسية التي انطلق منها في كتاباتي.
المقدمة الاولى، ان البلاد تعاني من عيوب تأسيس واخطاء ممارسة بدأت بالظهور والتراكم منذ تأسيس مجلس الحكم بعيد سقوط النظام الصدامي. ويتحمل مسؤوليةَ هذه العيوب والاخطاء الولاياتُ المتحدة، والنخبةُ السياسيةُ، من الاحزاب الاسلامية والعلمانية، الشيعية والسنية، الكردية والعربية، التي تصدت لادارة البلاد منذ ذلك الحين. فقد التقت مصالح هذه الاطراف مجتمعة، والتقت ضمن دائرة المحاصصة الفئوية، الحزبية والقومية والطائفية، وهي الدائرة التي انتجت كل مظاهر الفساد المعروفة.
المقدمة الثانية، ان الشعب، وخاصة الطبقة الفقيرة المؤلفة من العاطلين عن العمل وذوي الدخل القليل، هو الذي دفع الثمن الكارثي لهذه الصفقة بين الولايات المتحدة والنخبة السياسية الحاكمة، حيث تجلى ذلك بالبطالة المتزايدة، واتساع مساحة الفقر وما دونه، وتردي الخدمات، وتشويه المحاولة الديمقراطية، بل اجهاضها، والانتهاء الى نظام حكم اوليجارشي، اي: نظام تحكمه اقلية سياسية تخدم مصالحها الذاتية بالضد من المصالح الشعبية الوطنية العامة. المقدمة الثالثة، ان استمرار هذه الحالة اثبت بالدليل الحسي الملموس ان المجتمع العراقي يعاني من خلل حاد في المركب الحضاري، وليس فقط «ادارة الموارد» ادى الى اصابة عناصره الخمسة (الانسان والطبيعة والزمن والعلم والعمل) بالعطب، والى انهيار النظام القيمي الحاف بهذه العناصر، بشكل اعاق قدرة المجتمع على الانتاج والتحرك والتقدم الى امام. وبناء على هذه المقدمات، نصل الى الاستنتاج القائل بان البلاد، ومعها الدولة وسلطاتها التشريعية والتنفيذية على وجه الخصوص، بحاجة الى اصلاح جذري، في الجانب السياسي والاقتصادي والتشريعي والاداري والتربوي بنحو اخص، يستهدف اعادة بناء الدولة على اساس الهندسة السياسية العلمية الرشيدة. وحين اصبحت هذه الحقائق والنتيجة ظاهرة وملموسة، ظهرت حالتان من ردة الفعل تحت مسمى الاصلاح. الحالة الاولى ظهرت على يد النخبة السياسية الحاكمة نفسها حين تقدمت بمشاريع «اصلاحية» تميزت منذ الوهلة الاولى بالسطحية والترقيعية والاجراءات الفوقية. ولم تنتج هذه الحالة سوى ادامة عمر الخلل، ومفاقمة معاناة الشعب من الفقر والبطالة والحاجة الى الكهرباء والماء والخدمات الصحية. الحالة الثانية ظهرت على يد شرائح من ابناء الشعب، حين خرجت التظاهرات الاحتجاجية خاصة بعد الاول من تشرين الاول من العام الماضي، لكن سرعان ما انجرفت نحو شعارات وممارسات شعبوية، ومطالب خدمية بعضها غير واقعي، ومصطلحات سياسية بعضها غير ديمقراطي.  ولم تتمكن الحالتان من وضع العراق على طريق الاصلاح الحقيقي، لان فاقد الشيء لا يعطيه.  وبعد سلسلة من الطفرات، انتهت الدعوات الاصلاحية المنطلقة من دوائر مختلفة، الى الوقوع في مطب اسمه «رواتب رفحا». لا يحدد هذا المقال موقفا من هذه المسألة، لكنه يقول ان اختصار «البرنامج الاصلاحي» المزعوم برواتب رفحا هو فخ مقصود او عفوي هدفه او نتيجته حرف مسار الدعوة الاصلاحية ومشاغلتها بهدف جانبي، والابتعاد عن المهام الاصلاحية الاساسية التي تعالج الخلل الاساسي في المركب الحضاري، ومظاهره الخارجية التي كررتُ ذكرها مثل الفساد والفقر وسوء الخدمات وغيرها. ان «خط الاصلاح الاقتصادي والعدالة الاجتماعية»، حين يطرح بإخلاص وصدق، يجب ان يتم على اساس ثلاثة انواع من الستراتيجيات: قصيرة، ومتوسطة، وبعيدة المدى، تحقق مصفوفة من الاهداف منها ما يلي:
اولا، اصلاح المؤسسة التشريعية باجراء انتخابات مبكرة، عادلة ونزيهة، على اساس الانتخاب الفردي. 
ثانيا، اصلاح الحياة السياسية بتشريع قوانين تضبط العمل الحزبي وتحول دون ظهور احزاب مجهرية او صغيرة مشتتة للاصوات، وتساعد على ظهور احزاب وطنية كبيرة عابرة للخطوط القومية والعرقية وقادرة على تحقيق اغلبيات برلمانية.
ثالثا، تشكيل حكومة مهنية كفوءة، بعد الانتخابات، تمثل المجتمع العراقي، ليست خاضعة لارقام حسابية على اساس المحاصصة.
رابعا، الشروع بتغيير طبيعة الاقتصاد العراقي، وتقليل الاعتماد على النفط، على اساس مبدأ «النفط للتنمية والاعمار»، وتشجيع القطاع الخاص، وتنفيذ المشاريع الذكية الصغيرة والمتوسطة، والاحتكام الى مبدأ «وفرة الانتاج وعدالة التوزيع».
خامسا، اعتماد نظام تربوي حضاري حديث ضمن خطة طويلة على مدى ١٢ سنة دراسية يتكفل بتنشئة جيل جديد من المواطنين الفعالين الحضاريين.

التعليقات معطلة